فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 59

خالف أمره ونهيه تعرض للعقوبة، وهذا واقع مشاهد، فإذا كان الشرع قد منع ولاية الكافر على المسلم أو المسلمة في الزواج وهو أمر يخص رجلا واحد أو امرأة واحدة من المسلمين، فكيف بالإمامة العظمى أو إمارة جمهور المسلمين في بلد ما، ألا يكون ذلك أولى بالمنع من الأول.

وقد بايع الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة للأمراء إلا إذا خرجوا عن الإسلام بكفر بواح ظاهر معلوم حكمه من دين الله تعالى، فحينئذ يُخرج عليهم ولا يثبت لهم حق ولا تثبت لهم طاعة، وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء لا يختلفون فيه.

فعن جنادة بن أبي أمية قال: دخلنا على عبادة بن الصامت وهو مريض فقلنا: أصلحك الله حدثنا بحديث ينفعك الله به، قال عبادة رضي الله عنه: (دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه، فقال فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، قال: إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان) [1]

فقد بايع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه رضي الله عنهم على السمع والطاعة للأمراء في كل أحوالهم ونهاهم عن أن ينازعوا ولاة الأمور في ولاياتهم إلا في حالة واحدة: إذا رأوا كفرا ظاهرا يعلمون من دين الله تعالى وشرعه أنه كفر، فحينئذ لا سمع لهم ولا طاعة، بل الواجب منازعتهم والقيام عليهم وخلعهم وتنصيب حاكم مسلم يحكم بشرع الله تعالى ويقيم العدل والقسط كما أمر الله تعالى.

قال النووي رحمه الله في شرح حديث عبادة السابق: قال القاضي عياض: أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر، وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل، قال: وكذا لو ترك إقامة الصلاة والدعاء لها، وقال القاضي عياض أيضا: فلو طرأ عليه كفر وتغيير للشرع أو بدعة خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته، ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه ونصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة، وجب عليهم القيام بخلع الكافر ... إلى آخر قوله رحمه الله. اهـ [2]

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه، ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من

(1) رواه البخاري ومسلم وأحمد وابن حبان والبيهقي، ومعنى بواحا: أي ظاهرا باديا، من قولهم باح الشيء يبوح به بوحا وبواحا إذا أذاعه وأظهره.

(2) صحيح مسلم بشرح النووي كتاب الإمارة ج12/ 229.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت