فهرس الكتاب
وأما مياه بيار الحِجْر [1] منازل ثمود فإنه قد نهي عن شربها والطهارة بها لا بئر الناقة ثبت ذلك في الصحيحين [2] .
وأما ما روي عن أحمد في إحدى الروايتين من كراهة الطهارة بماء زمزم [3] ، فإنه لم يصح عن العباس [4] النهي عن الاغتسال به [5] .
(1) الحِجْر: بكسر الحاء المهملة وإسكان الجيم، يقال للممنوع: حجر، وحجرت الأرض واحتجرتها إذا ضربت عليها منارا تمنعها به عن غيرك، وكل ما حجرته من حائط فهو حجر، ومنه سمي حطيم الكعبة حجرا وهو الحائط المستدير إلى جانب الكعبة الغربي. والمراد بالحجر هنا: اسم لأرض ثمود قوم صالح النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتقع عند وادي القرى بين المدينة والشام، تبعد عن المدينة حوالي 390 كيلو متر. انظر: الصحاح 2/ 632، النهاية 1/ 341، معجم ما استعجم 1/ 426، معجم البلدان 2/ 221.
(2) أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: {وإلى ثمود أخاهم صالحا} [هود، الآية:61] 4/ 121 رقم 3199، ومسلم في الزهد والرقائق، باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين 4/ 2286 رقم 2981 عن ابن عمر رضي الله عنهما: (( أن الناس نزلوا مع رسو الله - صلى الله عليه وسلم - أرض ثمود الحجر، فاستقوا من بئرها واعتجنوا به، فأمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يهريقوا ما استقوا من بئرها، وأن يعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة ) ).
(3) الصحيح من مذهب الحنابلة عدم كراهية ماء زمزم في رفع الحدث، ورواية عن الإمام أحمد بالكراهة، وعنه: يكره الغسل لا الوضوء، وأما إزالة الخبث فيكره في الصحيح من المذهب، وقيل: يحرم. انظر: المغني 1/ 30، الشرح الكبير 1/ 51، الفروع 1/ 75.
(4) هو العباس بن عبد المطلب بن هاشم، أبو الفضل، عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصنو أبيه، كان أسن من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسنتين، أسلم قبل الهجرة وكان يكتم إسلامه، وكان آخر من هاجر إلى المدينة، شهد مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فتح مكة وحنينا، حدث عنه أولاده عبد الله وكثير وتمام، روى عنه عبد الله بن الحارث وعامر بن سعد والأحنف بن قيس، توفي سنة 34 هـ. انظر: معرفة الصحابة 4/ 2120، أسد الغابة 3/ 164، سير أعلام النبلاء 2/ 78
(5) (به) ساقط من ب.
والمصنف رحمه الله يشير إلى ما أخرجه عبد الرزاق في المناسك، باب زمزم وذكرها 5/ 114 رقم 9114، ومن طريقه الفاكهي في أخبار مكة 2/ 63 رقم 1155 عن معمر قال: أخبرني ابن طاووس عن أبيه قال: أخبرني من سمع العباس بن عبد المطلب يقول وهو قائم عند زمزم، وهو يرفع ثيابه بيده، وهو يقول: (( اللهم إني لا أحلها لمغتسل، ولكن هي لشارب - أحسبه قال: ومتوضئ حِلٌّ وبِلٌّ ) )وإسناده منقطع.
وأخرجه الفاكهي في أخبار مكة 2/ 63 رقم 1154، والأزرقي أيضا في أخبار مكة 2/ 58 عن محمد بن أبي عمر، ثنا سفيان، قال: حُدثت عن عاصم بن أبي النجود، عن زِرّ بن حُبيش رضي الله عنه قال: كان العباس. وذكر نحو حديث طاووس. وهذا أيضا إسناد منقطع بين سفيان وعاصم، فالخبر من هذين الوجهين لا يصح كما قال المصنف رحمه الله، وقد سبقه إلى تضعيفه النووي رحمه الله في المجموع 1/ 137 فقال: ولم يصح ما ذكروه عن العباس بل حكي عن أبيه عبد المطلب، ولو ثبت عن العباس لم يجز ترك النصوص به.
قلت: بعد البحث وقفت على الأثر بسند صحيح عند الإمام أحمد في كتابه العلل ومعرفة الرجال 2/ 187 رقم 1950، وأبي عبيد في غريب الحديث 4/ 26 قالا: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش رضي الله عنه قال: (( سمعت العباس وذكر زمزم، فقال: هي حل وبل لا أحلها لمغتسل ) )فخبر العباس رضي الله عنه صحيح ثابت لا مطعن فيه.
ثم بعد تخريج الأثر وجدت - ولله الحمد - الحافظ ابن كثير يصححه حيث قال في البداية والنهاية 3/ 342: وقد ذكره بعض الفقهاء عن العباس بن عبد المطلب، والصحيح أنه عن عبد المطلب نفسه، فإنما هو الذي جدد حفر زمزم كما قدمنا. ثم ذكر ابن كثير رحمه الله: خبر العباس بإسناد أبي عبيد المتقدم، وذكر نحوه عن ابن عباس بإسناد أبي عبيد من طريق آخر نقلا عن الأموي في المغازي، ثم قال رحمه الله: وهذا صحيح إليهما، وكأنهما يقولان ذلك في أيامهما على سبيل التبليغ والإعلام بما اشترطه عبد المطلب عند حفره لها فلا ينافي ما تقدم اهـ. قال أبو عبيد: وإنما نراه نهى عن هذا أنه نزّه المسجد أن يغتسل فيه من جنابة. غريب الحديث 4/ 27. ويحتمل أن يكون العباس، وابنه عبد الله رضي الله عنهما نهيا عن الاغتسال بماء زمزم؛ لما يترتب على ذلك من كشف العورات والنظر إلى المحرمات عند المسجد الحرام، والله أعلم.