الصفحة 537 من 1115

وأما رفع اليدين فقال الغزالي [1] رحمه الله تعالى: لأنها قبلة الدعاء [2] .

(1) هو محمد بن محمد بن أحمد، أبو حامد الغزالي الطوسي، زين الدين، الإمام الفقيه الأصولي المتكلم أحد أئمة الشافعية، تفقه على أبي نصر الإسماعيلي بجرجان وإمام الحرمين بنيسابور، ألف كتبا كثيرة منها الإحياء والمستصفى والمنخول وغيرها، ولد بطوس سنة 450 هـ وتوفي سنة 505 هـ. انظر: طبقات الإسنوي 2/ 111، العقد المذهب ص 116، الفكر السامي 4/ 395.

(2) انظر الاقتصاد في الاعتقاد ص 97 - 98. وهذا القول منه رحمه الله وغفر له دعوى لا دليل عليها من كتاب ولا سنة و لا قول أحد من السلف، ومعلوم أن هذه المسألة من الأمور الشرعية التي لا مجال للرأي فيها، فليس لأحد من الناس أن يقول جهة العلو أو جهة من الجهات الأخرى قبلة الدعاء إلا بدليل شرعي، ثم كيف يخفى على سلف الأمة وأئمتها وعامة الناس قبل إحداث هذا القول أن"السماء قبلة الدعاء كما أن البيت قبلة الصلاة"؟!.

وقد نقل كلام الإمام الغزالي هذا الإمام العمراني في الانتصار 3/ 622 ثم رده بما نصه: وهذا تمويه منه ومعاندة لما ورد به القرآن، والسنة، وما عليه العلماء من الصحابة والتابعين. قال: وأما قوله:"إن السماء قبلة الدعاء"فيقال له: لو كان هذا كما قلت لم يصح الدعاء إلا لمن توجه بيديه إلى السماء، كما لم تصح الصلاة إلا لمن توجه إلى الكعبة.

وهذه المقالة قالها أيضا الإمام الرازي في كتابه أساس التقديس، وردها شيخ الإسلام ابن تيمية في نقض تأسيس الجهمية من تسعة أوجه، وأَقتصر على ذكر ثلاثة منها مع الإيجاز والاختصار:

الوجه الأول: أن المسلمين مجمعون على أن القبلة التي يشرع للداعي استقبالها حين الدعاء هي القبلة التي شرع استقبالها حين الصلاة، فكذلك هي التي شرع استقبالها حين ذكر الله كما تُستقبل بعرفة، ومزدلفة، وعلى الصفا والمروة، وهي التي يُشرع استقبالها بتوجيه الميت إليها، وتوجيه النسائك والذبائح إليها، فليس للمسلمين بل ولا لغيرهم قبلتان أصلا في العبادات التي هي من جنسين كالصلاة والنسك، فضلا عن العبادات التي هي من جنس واحد وبعضها متصل ببعض، فإن الصلاة فيها الدعاء في الفاتحة وغيرها، فالقبلة التي تستقبل بالدعاء هي قبلة الصلاة بعينها لا غيرها، ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا اجتهد في الدعاء يستقبلها كما فعل في دعاء الاستسقاء

الوجه الثاني: كون السماء قبلة الدعاء لا يثبت بغير الشرع فإن اختصاص بعض الجهات والأمكنة بأنه يُستقبل دون غيرها هو أمر شرعي، ومعلوم أنه ليس في الكتاب والسنة ولا شيء من الآثار عن سلف الأمة ولا أئمتها، ولا في الأثارة عن الأنبياء كموسى وعيسى وغيرهما من المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين أن العرش أو السماء قبلة للدعاء. الوجه الثالث: أن القبلة ما يستقبله الإنسان بوجهه، ولذلك سميت وجهة، والاستقبال ضد الاستدبار، فالقبلة ما يستقبله الإنسان ولا يستدبره، فأما ما يرفع الإنسان إليه يده أو رأسه أو بصره فهذا باتفاق الناس لا يسمى قبلة؛ لأن الإنسان لم يستقبله، ومن استقبل شيئا فقد استدبر ما يقابله، كما أن من استقبل الكعبة فقد استدبر ما يقابلها، ومعلوم أن الداعي لا يكون مستقبلا للسماء ومستدبرا للأرض، فظهر أن جعل ذلك قبلة باطل في العقل واللغة والشرع بطلانا ظاهرا لكل أحد. نقض تأسيس الجهمية 2/ 452 - 464، وانظر: شرح العقيدة الطحاوية 2/ 392 - 393.

وقال ابن عبد البر رحمه الله في التمهيد 7/ 134: ومن الحجة أيضا في أن الله ه - عز وجل - على العرش فوق السموات السبع أن الموحدين أجمعين من العرب والعجم إذا كرَّ بهم أمر أو نزلت بهم شدة رفعوا وجوههم إلى السماء يستغيثون ربهم تبارك وتعالى وهذا أشهر وأعرف عند الخاصة والعامة من أن يحتاج فيه إلى أكثر من حكايته لأنه اضطرار لم يؤنبهم عليه أحد ولا أنكره عليهم مسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت