الصفحة 130 من 317

الثاني: أنه قال تعالى: (اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً) واليمين إنما تكون جنة إذا لم نأت ببينة عادلة تكذبها فإذا كذبتها بينة عادلة انخرقت الجنة فجاز قتلهم ولا يمكنه أن يجتن بعد ذلك إلا بجنة من جنس الأولى وتلك جنة مخروقة.

الثالث: أن الآيات دليل على أن المنافقين إنما عصم دماءهم الكذب والإنكار ومعلوم أن ذلك إنما يعصم إذا لم تقم بينة بخلافه ولذلك لم يقتلهم النبي صلى الله عليه وسلم ... ومعلوم أن الكافر إذا أظهر التوبة من الكفر كان تركًا له في الظاهر ولا يعلم ما يخالفه أما المنافق فإذا أظهر الإسلام لم يكن تركًا للنفاق لأن ظهور هذه الحال منه لا ينافي النفاق ولأن المنافق إذا كان جهاده بإقامة الحد عليه كجهاد الذي في قلبه مرض وهو الزاني إذا زنى لم يسقط عنه حده إذا أظهر التوبة بعد أخذه لإقامة الحد عليه كما قد عرف ولأنه لو قبلت علانيتهم دائمًا مع ثبوت ضدها لم يكن إلى الجهاد على النفاق سبيل فإن المنافق إذا ثبت عنه أنه أظهر الكفر فلو كان إظهار الإسلام حينئذ ينفعه لم يمكن جهاده ... ويدل على جواز قتل الزنديق والمنافق من غير استتابة ما خرجاه في الصحيحين عن علي في قصة حاطب بن أبي بلتعة فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنه قد شهد بدرًا وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال:"اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم". فدل على أن ضرب عنق المنافق من غير استتابة مشروع إذ لم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم على عمر استحلال ضرب عنق المنافق ولكن أجاب بأن هذا ليس بمنافق ولكنه م أهل بدر المغفور لهم فإذا أظهر النفاق الذي لا ريب أنه نفاق فهو مباح الدم ... وقد أخرجا في الصحيحين عن زيد بن أرقم قال خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر أصاب الناس فيه شدة فقال عبد الله بن أبي لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله وقال لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بذلك فأرسل إلى عبد الله بن أبي فسأله فاجتهد يمينه ما فعل فقالوا كذب زيد يا رسول الله قال فوقع في نفسي مما قالوه شدة حتى أنزل الله تصديقي (إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ) قال ثم دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم ليستغفر لهم فلووا رؤوسهم. ففي هذه القصة بيان أن قتل المنافق جائز من غير استتابة [1] وإن أظهر إنكار ذلك القول وتبرأ منه وأظهر الإسلام وإنما منع النبي صلى الله عليه وسلم من قتله ما ذكره من تحدث الناس أنه يقتل أصحابه لأنه النفاق لم يثبت عليه بالبينة وقد حلف أنه ما قال وإنما علم بالوحي وخبر زيد بن أرقم. وأيضًا لما خافه من ظهور فتنة بقتله وغضب أقوام يخاف افتتانهم بقتله ... وذكر بعضهم أن رجلًا من المنافقين خاصم رجلًا من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى النبي صلى الله عليه وسلم لليهودي فلما خرجا من عنده لزمه المنافق وقال انطلق بنا إلى عمر بن الخطاب فأقبل إلى عمر فقال اليهودي اختصمت أنا وهذا إلى محمد فقضى لي عليه فلم يرض بقضائه وزعم أنه مخاصم إليك وتعلق بي فجئت معه فقال عمر للمنافق أكذلك قال نعم فقال لهما رويدكما حتى أخرج إليكما فدخل عمر البيت فأخذ السيف واشتمل عليه ثم خرج به إليهما فضرب به المنافق حتى برد فقال هكذا أقضي بين من لم يرض بقضاء الله وقضاء رسوله فنزل قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ) الآية. وقال جبريل إن عمر فرق بين الحق والباطل فسمي الفاروق وقد تقدمت هذه القصة مروية من وجهين. ففي هذه الأحاديث دلالة على أن قتل المنافق كان جائزًا إذ لولا ذلك لأنكر النبي عليه الصلاة والسلام على من استأذنه في قتل المنافق ولأنكر على عمر إذ قتل من قتل من المنافقين ولأخبر عليه الصلاة والسلام

(1) أخذ ابن تيمية الدلالة من سياق آخر للقصة في الصحيحين عن عمر وعن جابر وفيه قال عمر ألا نقتل يا نبي الله هذا الخبيث -لعبد الله- فقال النبي عليه الصلاة والسلام لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت