الصفحة 268 من 317

الصوفية فرقة قديمة تعود نشأتها إلى أواخر القرن الثاني الهجري وأوائل القرن الثالث وهي منحرفة عن هدي الرسول صلى الله عليه وسلم وهدي أصحابه الكرام رضي الله عنهم ومبدأ نشأتها من الزنادقة الذين دخلوا في الإسلام ظاهرًا وأرادوا هدمه من الداخل كما فعل عبد الله بن سبأ اليهودي وجهم بن صفوان والجعد بن درهم وأضرابهم. فقد ظهرت بعض مقالات التصوف على ألسنة جماعة في الكوفة وبغداد منهم حبان الحريري المتوفى قبل عام 200هـ، وكليب المتوفى قبل عام 200هـ، وعبدك الصوفي المتوفى في حدود سنة 210هـ، وجابر بن حيان الشيعي الكوفي"صاحب الكيمياء"ت208هـ، وأبو هاشم عثمان بن شريك الكوفي الصوفي -ت150هـ [1] ، وقد عد الفقيه الثقة أبو الحسين الملطي طوائف من المتصوفة الأوائل من جملة فرق الزنادقة فقال: (ومنهم(أي من الزنادقة) العبدكية: زعموا أن الدنيا كلها حرام محرم لا يحل الأخذ منها إلا القوت من حين ذهب أئمة العدل ولا تحل الدنيا إلا بإمام عادل وإلا فهي حرام. ومعاملة أهلها حرام، فحل لك أن تأخذ القوت من الحرام من حيث كان وإنما سموا العبدكية لأن عبدك وضع لهم هذا ودعاهم إليه وأمرهم بتصديقه .. ومنهم الروحانية وهم أصناف وإنما سموا الروحانية لأنهم زعموا أن أرواحهم تنظر إلى ملكوت السموات وبها يعاينون الجنان ويجامعون الحور العين وتسرح في الجنة وسموا أيضًا الفكرية لأنهم يتفكرون زعموا في هذا حتى يصيروا إليه فجعلوا الفكر بهذا غاية عبادتهم ومنتهى إرادتهم؛ ينظرون بأرواحهم في تلك الفكرة إلى هذه الغاية فيتلذذون بمخاطبة الله لهم ومصافحته إياهم .. ولو كانت الفكرة في ذنوبهم الندم عليها والتوبة منها والاستغفار لكان مستقيمًا، وأما هذه الفكرة فبوبها لهم الشيطان لأنه لا يتلذذ بلذات الجنة إلا من صار إليها يوم القيامة. ومنهم صنف من الروحانية زعموا أن حب الله يغلب على قلوبهم وأهوائهم وإرادتهم حتى يكون حبه أغلب الأشياء عليهم فإذا كان كذلك عندهم كانوا عنده بهذه المنزلة ووقعت عليهم الخلة من الله فجعل لهم السرقة والزنا وشرب الخمر والفواحش كلها على وجه الخلة التي بينهم وبين الله لا على وجه الحلال ولكن على وجه الخلة كما يحل للخليل الأخذ من خليله بغير إذن منهم رباح وكليب كانا يقولان بهذه المقالة ويدعوان إليها.

ومنهم صنف من الروحانية زعموا أنه ينبغي للعباد أن يدخلوا في مضمار الميدان حتى يبلغوا إلى غاية السبقة من تضمير أنفسهم وحملها على المكروه فإذا بلغت تلك الغاية أعطى نفسه كل ما تشتهي وتتمنى، وإن أكل الطيبات كأكل الأراذلة من الأطعمة وكان الصبر والخبيص عنده بمنزلة وكان العسل والخل عنده بمنزلة، فإذا كان كذلك فقد بلغ غاية السبقة وسقط عنه تضمير الميدان واتبع نفسه ما اشتهت منهم ابن حيان كان يقول هذه المقالة.

ومنهم صنف يقولون أن ترك الدنيا اشغال للقلوب وتعظيم للدنيا ومحبة لها ولما عظمت الدنيا عندهم تركوا طيب طعامها ولذيذ شرابها ولين لباسها وطيب رائحتها فأشغلوا قلوبهم بالتعلق بتركها وكان

(1) انظر كتاب التصوف الإسلامي ومدارسه لمحمد جلال ص78 - 120.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت