الصفحة 269 من 317

من إهانتها مؤاتاة الشهوات عند اعتراضها حتى لا يشتغل القلب بذكرها ويعظم عنده ما ترك منها. ورباح وكليب كانا يقولان هذه المقالة [1] ويلخص الرازي فرق المتصوفة في ست فرق وهي:

1 -أصحاب العادات: وهم قوم منتهى أمرهم وغايته تزيين الظاهر كلبس الخرقة وتسوية السجادة.

2 -أصحاب العبادات: وهم قوم يشتغلون بالزهد والعبادة مع ترك سائر الأشغال.

3 -أصحاب الحقيقة: وهم قوم إذا فرغوا من أداء الفرائض لم يشتغلوا بنوافل العبادات. بل بالفكر وتجريد النفس عن العلائق الجسمانية وهم يجتهدون أن لا يخلو سرهم وبالهم عن ذكر الله تعالى.

4 -النورية: وهم طائفة يقولون: إن الحجاب حجابان: نوري وناري، أما النوري فالاشتغال باكتساب الصفات المحمودة كالتوكل والشوق والتسليم والمراقبة والأنس والوحدة والحالة، أما الناري فالاشتغال بالشهوة والغضب والحرص والأمل لأن هذه الصفات صفات نارية كما أن إبليس لما كان ناريًا فلا جرم وقع في الحسد.

5 -الحلولية: وهم طائفة من هؤلاء القوم الذين ذكرناهم يرون في أنفسهم أحوالًا عجيبة وليس لهم من العلوم العقلية نصيب وافر فيتوهمون أنه قد حصل لهم الحلول أو الاتحاد فيدعون دعاوى عظيمة، وأول من أظهر هذه المقالة في الإسلام الروافض؛ فإنهم ادعوا الحلول في حق أئمتهم.

6 -المباحية: وهم قوم يحفظون طامات لا أصل لها وتلبيسات في الحقيقة وهم يدعون محبة الله تعالى وليس لهم نصيب من شيء من الحقائق بل يخالفون الشريعة ويقولون إن الحبيب رفع عنهم التكليف [2] .

وبإلقاء نظرة على فرق التصوف التي ذكرها الملطي والرازي يتضح أن هذه العقائد الإلحادية إنما أحدثت في المجتمع الإسلامي لكي تقضي عليه وليست نتيجة اجتهادات علماء مسلمين مبنية على الكتاب والسنة، وأنها شبيهة بما أحدثه اليهود في دين الرافضة من رجعة علي بن أبي طالب، ومن عصمة الأئمة، وأن قولهم تشريع، وأنهم يعلمون الغيب ونحو ذلك؛ يقول الشيخ محمد الصباغ: (إن التصوف انحدر إلينا من أصول أجنبيه وقد دخل علينا ليؤدي مهمات تخريبية في التصور والسلوك) [3] .

هذه لمحة سريعة عن نشأة التصوف وأهدافه وفرقه كما ذكرها عالمان قديمان الأول: الملطي الفقيه الشافعي المتوفى عام 377هـ، والثاني فخر الدين محمد بن عمر الخطيب الرازي المتوفى عام 606هـ.

أما اليوم فاالتصوف بحر لا ساحل له؛ فقد تعددت فرقه وطرقه كالطريقة الشاذلية، والطريقة الرفاعية، والطريقة النقشبندية، والطريقة القادرية والطريق التجانية، والطريق البريلوية، والطريقة الأحمدية، وغير ذلك كثير وكلها يجمعها قاسم مشترك هو الابتداع وتنكب طريق الكتاب والسنة وبعضها أخف من

(1) التنبيه والرد للملطي ص93 - 94.

(2) اعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي ص115 - 116.

(3) أبو نعيم حياته وكتابه الحلية لمحمد الصباغ ص12.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت