المجاهد، ونومه، ويقظته، حسنات، وإنَّما مثَّله بالصَّائم؛ لأنَّ الصائم ممسكٌ نفسَه عن الملَّذات، وكذلك المجاهد ممسكٌ نفسَه على محاربة العدو، وحابس نفسه على مراعاته.
وقوله: (مَعَ مَا نَالَ مِن أَجرٍ أَو غَنِيمَةٍ) إنَّما أدخل (أو) هنا لأنَّه قد يرجع مرَّة بالأجر، ومرة بهما جميعًا، فأُدخلت (أو) ليدل على اختلاف الحالين، لا أنَّه يرجع بغنيمة دون أجر؛ بل أبدًا يرجع بالأجر، كانت غنيمة أو لم تكن.
قال ابن التِّين: (أو) هنا بمعنى الواو، وقاله أيضًا القرطبي، قال: هي الواو الجامعة على مذهب الكوفيِّين، يؤيد هذا ما رواه أبو داود: «مَعَ مَا نَالَ مِن أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ» بالواو الجامعة، وكذا هو في بعض روايات مسلم.
قال: وذهب بعض العلماء إلى أنَّ (أو) على بابها، وليست بمعنى الواو، قالوا: حاصله لمن يستشهد في الجهاد أحد الأمرين، إمَّا الأجر إن لم يغنم، وإمَّا الغنيمة والأجر.
قال: وهذا ليس بصحيح؛ لحديث عبد الله بن عمر من عند مسلم، وقال صلى الله عليه وسلم: «مَا مِن غَازِيَةٍ تَغْزُوا فَيُصِيبُوا وَيَغنَمُوا إِلَّا تَعَجَّلُوا ثُلُثَي أَجرَهُم مِنَ الآخِرَةِ، وَيَبقَى الثُّلُثُ وِإِن لَم يُصِيبُوا غَنِيمَةً، ثُمَّ لَهُم أَجرُهُم» وهذا نصٌّ في أنَّه يحصل لهم مجموع الأجر والغنيمة بالوجه الأول.
وقال أبو عبد الله بن أبي صفرة: تفاضلهم في الأجر، وتساويهم في الغنيمة، دليل قاطع أنَّ الأجر يستحقُّونه بقتالهم، فيكون أجر كل واحد على قدر عنائه، وأنَّ الغنيمة لا يستحقُّونها بذلك، لكن بتفضل الله عليهم ورحمته لهم بما رأى من ضعفهم، فلم يكن لأحد فضل على غيره، إلا أن يُفَضِّلَه قاسمُ الغنيمة، فينفله من رأسها، كما فعل أبو قتادة، أو من الخمس، كما في حديث ابن عمر، والله يؤتي فضله من يشاء.