فهرس الكتاب
وقوله: (فَأطفِئُوهَا) : هو مهموز رباعي، قال ابن العربي: فإن قيل: فنحن نجد علماء الطب يمنعون اغتسال المحموم، ويقولون لا يجوز مقابلة الأشياء بضدها بغتة، والنبي لا يقول إلا حقًّا، وقد ذكر عن بعض من ينسب إلى العلم أنه حُمَّ فاغتسل، فاختنقت الحرارة في بدنه، فزاد مرضه، وأخرجه ذلك إلى التكذيب بالحديث، والجواب أن النبي إنما خاطب بهذا قومًا كانوا يعتادون مثل هذا في تلك الأرض، قال القرطبي: اعترض بعض سخفاء الأطباء على هذا الحديث بقوله: استعمال المحموم الاغتسال بالماء خطٌر مقربٌ من الهلاك؛ [222/أ] لأنه يجمع المسام ويحقن البخار، ويعكس الحرارة لداخل الجسم، فيكون ذلك سببًا للتلف، قال وجوابه: أن هذا صدر عن مرتاب في صدق نبينا صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، فيقال له: تفَهَّم مراده صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ من هذا الكلام، فإنه لم ينص على كيفية تبريد الحمى بالماء، وإنما أرشد إلى تبريدها به مطلقًا، فإن أظهر الوجود أو صناعة الطب أن غمس المحموم في الماء أو صبه إياه على جميع بدنه يضره فليس هو الذي قصده صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، وإنما قصد استعمال الماء على وجه ينفع، فيبحث عن ذلك الوجه، وتجرب الوجوه التي لا ضرر فيها، فإنه سيظهر نفعه قطعًا، قال: وقد ظهر هذا المعنى في أمره للعائن بالغسل، فإنه وإن كان قد أمره أن يغتسل مطلقًا، فلم يكن مقصوده أن يغسل جميع جسده بل بعضه، وإذا تقرر هذا: فلا يبعد أن مقصوده أن يرش على بعض جسد المحموم، أو يفعل كما ذكرنا عن أسماء، فيكون من باب النشرة الجائزة، قال: ولئن سلمنا أنه أراد جميع جسد المحموم، فيجاب بأنه يحتمل أن يريد بذلك بعد إقلاع الحمى عنه، وفي وقت مخصوص وبعدد مخصوص، فيكون ذلك من باب الخواص التي اطلع عليها صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، كما روي أن رجلًا شكى إلى النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ الحمى، فقال: «اغتسل ثلًاثا قبل طلوع الشمس، وقل: بسم الله اذهبي يا أم