فهرس الكتاب
102لهذه الأسباب ظل علم التاريخ مهمشا في المغرب، لا يلقى أي اهتمام إلا من بعض المثقفين الفضوليين الذين كانت لديهم ملكة حب الاستطلاع و المعرفة، و من ضمنهم محمد المشرفي الذي كرس قسطا من حياته لهذا العلم قراءة و تأليفا، ساعده في ذلك تقلده منصب القضاء و هو المنصب الذي وفر له ظروفا ملائمة على المستوى المادي و المعنوي و الاستقرار المكاني.
لم يكن اهتمام المشرفي بعلم التاريخ وليد الصدفة، و إنما كان عن وعي بأهميته و قيمته ضمن العلوم الأخرى، فهو منأجل العلوم قدرا و أجلاها في ظلمات الحيرة بدرا يكسب صاحبه النباهة 47لا يجهل فضله و نفعه و قيمته إلا من كان ساقط الهمة جامد القريحة.
2 -مفهوم التاريخ عند المشرفي:
لم يبدع المشرفي مفهوما جديدا للتاريخ، و إنما تبنى مفهوما تقليديا مستهلكا.
اعتمد فيه على مؤلفات لمؤرخين قدامى و محدثين.
المفهوم الذي تبناه يعتبر أن التاريخ هو تسجيل أحداث الماضي و حصيلة النشاط الإنساني، في تعاقبها الزمني، و أن المحرك له هي العناية و المشيئة الإلهية، يقول في هذا الصدد نقلا عن الأنيس النفيس للزياني: علم التاريخ و الأدب من فاكهة المفاكهة بالغاية القصوى و نهاية الشيء في الطلاوة و الجدوى، لأنه توقيع وقائع الزمان، و تدوين حوادث الدهر التي قدرها الرحيم الرحمن، و أخبار الأدباء و الأمراء و نوادر أهل الحضر و العربان 48و يقول-أيضا-نقلا عن سعود المطالع لعبد الهادي النجا المصري:. . . و في الاصطلاح تعريف الوقت بإسناده إلى أول حدوث أمر شاع كظهور ملة و كوقعة الطوفان 49.
لقد ظلت فكرة اعتبار التاريخ علي أنه مجرد سجل للأخبار، يراد به المتعة حينا و العظة أحيانا، ماثلة في أذهان المؤرخين يعاد انتاجها بكيفية آلية إلى عصر المشرفي فبقي مفهوم التاريخ هو هو لم يطرأ عليه تغيير أو تجديد.
3 -الحس التاريخي عند المشرفي:
كان المشرفي صاحب حس تاريخي، تجلى في مفهوم التاريخ الذي أعاد إنتاجه من مصادر تاريخية، و في كيفية تعامله مع المادة المعرفية التاريخية اعتمادا على الوثائق و المصادر المختلفة الأنواع، ثم في كيفية تعامله مع الحدث، حيث كان يبحث فيه عن السبب و النتيجة معتمدا طريقة البحث و التقصي عن الخبر ثم نقله بعد غربلته و عقلنته.