فهرس الكتاب
الدواوين، و قصرت عن إحصائها و عدها ألسنة العارفين، من ذلك أنه قيل في ختمه صحيح البخاري هذه السنة نيف و خمسون قصيدة، أجار الكل عنها على قدر مراتبهم دون ما قيل في المواسم و الأعياد، و لم يرجع أحد خائبا جدب الحصيدة، فارتفع بوجوده منارالإسلام، و أضاء نور العلم به و استقام، فكانت أسواق العلوم بوجوده عامرة، و نجوم أفلاكه نيرة زاهرة، و أغصان الأدب مثمرة (يانعة) ، موفية بأقصى الثمن بائعة، و منح الأشراف، و زاد في توقيرهم و تعظيمهم إلى غاية الإسراف، و قرّب إليه كل شجاع، و ولاه على ما يريده من البقاع، و شمل عدله القوي و الضعيف، و الحر و الوصيف، و اغتبط الناس ولايته لما أمده على رعيته من الظل الظليل، و نالوا بوجوده من الإنصاف و الحلم و العزالجليل ما وسعهم، فوفدت عليه الوفود من كل ناحية و مكان، و ألقت إليه أزمة الإنقيادو الطاعة لما ألفوه من العدل و الإحسان، مع ما هو عليه من القوة التي تبهر العقول، و لايوجد في ديوان نحوها عن ملك منقول، من تدبيره الأمور، و حسن ترتيبها كما ينبغي بأقرب تأمل و حضور، و إصابة الرأي في كل غرض، و عدم الذهول عن كل ما مرّ على باله من جوهر و عرض، حتى أن حذاق الكتاب المنتصبين لتلك الخطة، يصدر منهم ذهول لطول مدة القصة، فيتحيرون في أمر توقفوا عليه، حتى يكشف لهم ذلك ببرهان إمارةلذكاء عقله، فيجدون الأمر كما قال بعينه، و مع اختصاصهم بهذا فمرجعهم كافة إليه، و لايشغله ذلك مع ترادف الأخبار، بما يهول من أقصى البراري و البحار، عن إقامة شرائع الدين و التلاوة و الأذكار، و التهجد و النوافل في الأسحار، و التدبّر و الإعتبار، و كان ذلك دأبه من زمن الخلافة على والده كما قاله أبو عبد الله أكنسوس و نصه: لما استخلف المولى الحسن - حفظه الله- لم تشغله شؤون الخلافة المترادفة أناء الليل و أطراف النهار، و لا ما في قصوره السلطانية من الحدائق و الأزهار عن (وظائف) الدين، و أسباب اليقين، من نوافل الخير من صلاة و صيام و تلاوة، كما حدثني بذلك بعض بطانته، و أنه يجد لها في خلواته لذةو حلاوة انتهى. مع ما توفر فيه من شروط الإمامة، و تكامل فيه من النجدة و الزعامة.
و أما تعاهد العلوم، و لا سيما الحديث ففي كلها سبقه معلوم، ركب متون فنونها فراضها، و وقع في بحور معانيها فخاضها، و حاز بعناية الله لبابها، و ميّز بذهنه الثاقب حبابها.
و لم يفته علم شرعي و لا فلسفي، و هو كما قال أبو القاسم: ينقسم على أربعة - أقسام: