فهرس الكتاب
[أسباب استبداد الوزير أحمد بن موسى]
و غير خاف أن هذا الوزير من قبيل حاشية هذه الدولة و وزرائها، و من ذلك الفريق يقع التغلب غالبا، بسبب ولاية صبي صغير كهذا، أو مضعف من أهل المنبت كما أفاده ابن خلدون بما صورته: إذا استقر الملك في نصاب معين و منبت واحد، من القبيل القائمين بالدولة، و انفردوا به، و دفعوا سائر القبيل عنه، و تداوله بنوهم واحدا بعد واحد بحسب الترشيح، فربما حدث التغلب على المنصب من وزرائهم و حاشيتهم، و سببه في الأكثر ولاية صبي صغير أو مضعف من أهل المنبت، يترشح للولاية بعهد أبيه أو بترشيح ذويه و خوله، و يؤنس منه العجز عن القيام بالملك، فيقوم به كافله من وزراء أبيه و حاشيته و مواليه أوقبيله، و يورى بحفظ أمره عليه حتى يؤنس منه للإستبداد، و يجعل ذلك ذريعة للملك، فيحجب الصبي عن الناس و يعوذه اللذات التي يدعوه إليها ترف أحواله، و يسميه في مراعيها متى أمكنه، و ينسيه النظر في الأمور السلطانية حتى يستبد عليه، و هو بما عوده يعتقد أن حظ السلطان من الملك إنما هو جلوس السرير، و إعطاء الصفقة، و خطاب التهويل، و القعود مع النساء خلف الحجاب، و أن الحل، و الربط، و الأمر، و النهي، و مباشرة الأحوال الملوكية و تفقدها من النظر في الجيش، و المال، و الثغور، إنما هو للوزير و يسلم له في ذلك انتهى الغرض.
و هذه كانت حالة هذا الوزير، و كان البعض يسوء به الظن، لما ادخره من الدخائرالعظام مع آلة الحرب، بأنه حيث استحكمت له (صبغة) الرياسة و الاستبداد، لا بد أن يحول الملك إليه و يؤثر به عشيرته و أبناءه من بعده، كما وقع لبني بويه و الترك و كافور الإخشيدي و غيرهم بالمشرق و للمنصور بن أبي عامر بالأندلس.
و لا يمكن الملك المتصف بما ذكر الانتقام من المتغلب عليه من وزرائه غالبا، لأن الدولة إذا أخذت في تغلب الوزراء و الأولياء، استمر لها ذلك و قل أن تخرج عنه ذلك، لأن ذلك إنما يوجد في الأكثر عن أحوال الترف و نشأة أبناء الملك منغمسين في نعيمه، [و] قد نسوا عهد (الرجولة) ، و ألفوا أخلاق الدايات و الأظآر و ربوا عليها، فلا ينزعون إلى رياسة، و لا يعرفون استبدادا من تغلب، إنما هممهم في القنوع بالأبهة و التفنن في اللذات، و أنواع الترف يكون (للموالي) (و) المصطنعين، عند استبداد عشير الملك على قومهم و انفرادهم به دونهم، و هو عارض للدولة ضروري كما قدمناه.