و انتشر الأمناء و العدول بعمالة مراكش، لإحصاء ما لقبائلها كلها، إلى أن فرغ منها، و تحصل ما اجتمع من كل عمالة عامل بدفترها، و وزع ذلك المحصل على أداء نصفه بمضي ستة أشهر و نصفه الآخر بمضي السنة من يوم فرضه. و هكذا في كل سنة.
[سبب استحسان العامة للترتيب]
و قد استحسنه العامة، لفرط ما كان يأخذ منهم قوادهم، من فرض المال الكثير عليهم بكل شهر، بل بكل جمعة، بأسباب يثبتونها، و تكاليف مخزنية يوجبونها، و عقوبة ماليةيخترعونها، ثم يختصون بجميعها لهم و لمن سعى في ولايتهم، و أعانهم على ظلمهم و تعديهم، و حسّن مساويهم من الوزراء و أكابر الدولة.
[موقف المؤلف من الإغفال عن الولاةو التسلط على أموال الرعية]
و يعد هذا الإغفال عن الولاة، و تسلطهم على أموال الرعية و أخذها منها ظلما، من سوء التدبير المخالف للسياسة و الشريعة، إذ السياسة كما قال ابن الخطيب: [البسيط] .
لا تنكر الظلم ممن دار في عمل ... فإن طول مداه فيه أطغاه
و اعزل على الفور من أسخطت حالته ... ومهملا ولّ ترضيه و (ترضاه)
و ارفع يد العامل العادي الذي كثرت ... به عليك الشكايا من رعاياه
و الشريعة فقد كان عمر رضي الله عنه، إذا بعث عاملا كتب ماله، فإذا عزله أخذ مازاد في ماله، و إن كان مشهورا بالعدالة يرغب في عمله لم يكتبه، فإذا عزله قاسمه ما له احتياطا له و للمسلمين، حتى يأخذ له نعلا و يترك له أخرى.
فعل ذلك مع سعد بن أبي وقاص و أبي هريرة رضي الله عنهما. و هما أعدل من بعدهما إلى يوم القيامة.
و كان يستعمل أقواما و يدع أفضل منهم لبصرهم بالعمل. و كان يقول: أكره أن أدنس هؤلاء بالعمل. و تعلم خيانة العامل بظهور زيادة عليه، كأخذه في البنيان و الغرس و شرائه الدور و الأرضين، و أخذه في التجارة.