فإذا كان فضلاء الصحابة و عدولهم ينهون في عملهم عن زيادة البنيان لضروراتهم فيه، فكيف المعروفون بالخيانة في فضول البنيان، لا ينهون، و لا يؤخذ ما بأيديهم، ممايفسدونه من أموال المسلمين؟
و لما بلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أن بعض أمراء الأقطار بنى كنيفا، و أنفق فيه درهمين، فعزله عمر عن عمله و نفاه، و كتب له: أما بعد فإنه بلغني أنك اتخذت كنيفاأنفقت فيه درهمين، و قد كان لك فيما بنت فارس و الروم غنى عن عمارة الدنيا حين أذن الله بخرابها، فإذا وصلك كتابي هذا، فغد سيرك و أهلك إلى بلد كذا.
و قوله فغد بمعنى خذ نصيبك إلخ. من قولهم غدّد تغديدا، أخذ نصيبه كما في القاموس.
فانظر هذا مع ما هو عليه الناس اليوم، من ظهور الخيانة التي لا يشك فيها عاقل، فيكون الرجل لا شي ء عنده، متوقفا على السؤال، فإذا تولى ولاية عمل أصبح بمجردهايشيد القصور و يزخرفها، و لم يكفه شراء الدور و (إبقائها) على بنائها حتى يأمر بهدمهاو بنائها ثانيا على مقتضى رأيه، و لم ينظر إلى ما (صير) عليها لمجيئه له من غير تعب، و لتحققه بدخول غيره عليه من رعيته، أو مما هو مؤتمن عليه مع التفاخر و التنافس في ذلك فيما بينهم، و لم يعتبروا بمن سبقهم لذلك و تركه لغيره. و منهم من لم يره بعينه، و منهم من لم يمكث فيه غير ساعة.
و في المعنى ما (أنشأه) سابق البربري: [البسيط]
نلهوا و نأمل أياما تعد لنا ... سريعة المر تطوينا و نطويها
كم من (عزيز) سيلقى بعد عزته ... ذلا و ضاحكة يوما ستبكيها
و للحتوف تربي كل مرضعة ... و للحساب برى الأرواح باريها
لا تبرح النفس تسعى و هي سالمة ... حتى يقوم بنادي القوم ناعيها
و لن تزال طوال الدهر ظاعنة ... حتى تقيم بواد غير واديها
أموالنا لذوي الميراث تجمعها ... و دورنا لخراب الدهر نبنيها
فالاهتمام بالبحث عن أحوال الولاة، هو عين السياسة الشرعية و روحها.