[موقف المؤلف من الشروع في إجراء الترتيب]
و من سوء تدبير القائمين بأمر هذه الدولة يومئذ أيضا، شروعهم في الترتيب علالوجه المذكور قبل اتفاق نواب الدول الأجانب عليه، حيث لا يخفى عليهم أحوال الرعاياالتي بالمغرب لها، و ذلك مما يزيد المسلمين ميلا للأجانب بإعفاء من انتمى إليهم من الترتيب، إذ لا عبرة للعامة بالدين بتوفرهم الدنيا.
و ما ذكرناه من استحسانهم الترتيب، إنما هو بحسب معرفتهم و بالنسبة (لما) كانوا عليه من تكاثر (التوظيفات) عليهم، و إلا فكل ما خالف الشريعة النبوية ليس بحسن، و لا يستحسنه إلا جاهل.
و لو علموا ما أوجبته الشريعة عليهم، لضاقت بهم الأرض من هذا الترتيب، و لاستحسنوارفق الشريعة بهم عليه، إذ الشريعة إنما أوجبت الزكاة فقط، على من تم له نصابها من الدراهم، و الماشية، و غير ذلك من الحب، و الزيت، و من لم يتم له النصاب فلا يجب عليه شي ء.
و الترتيب موجب على من له شاة واحدة مثلا أن يؤدي عليها، و الكثير من الناس لايجب عليه شي ء من جانب الشريعة، فيكون أكثر الناس مظلومين، بل كلهم حتى من تم له النصاب، فإذا كان للرجل مثلا أربعون شاة يجب عليها في الترتيب أربعون سبع أواق، و في الشريعة شاة واحدة. فقد يتساوى الثمن و الشاة أو يزيد القدر الواجب أو ينقص بقريب، و من هناك و هو مظلوم فيما زاد له إلى مائة و عشرين، إذ الواجب فيها شاة واحدة، و يجب عليه في الترتيب ستة ريال و هكذا. و كذلك صاحب الفرس، و البغل، و الحمار، و صاحب البقر، فيما دون الثلاثين، و أشجار ثمار المصيف و غير ذلك، مما لا زكاة فيه من الحبوب.
فهؤلاء كلهم مظلومون، و لا يخلو من هذا أحد. فتعين ظلم الرعية، و هو أحد علامات انقراض الملك، و خراب العالم. فتكون بيت مال المسلمين عامرة بالحرام، لغصبها ما لاتستحقه من المسلمين، فلا يصح أمرها، و لا يبارك في سعيها، و قالوا: الأخذ من رعيته فوق ما يجب عليهم كالأخذ التراب من أساس بيته و يجعله على سطحها.
و من كانت هذه حالته تيقن بسقوط بيته سريعا، و هم يزعمون أن في ذلك إصلاحالبيت المال و للمسلمين، و من لم تصلحه السنة لا أصلحه الله!
و انظر لمن كان يقتصر على ما أوجبته السنة على الرعية من الخلفاء و ملوك الإسلام بعدهم، كيف، كان حالهم، و انتصارهم على عدوهم، و اتساع مملكتهم و عزهم الشامخ،