فهم منه المازري ثم أمر هذا» 1.
ثم عقد السبكي فصلا مطولا لينفي هذه التهمة عن الجويني 2، وأنكر في الوقت نفسه أن يكون القشيري قد هجر الجويني يسبب ذلك، وما هذه الرواية عن القشيري إلا من تخرصات ابن دحية الذي لا تقبل روايته، فهومن وضاع الحديث 3. ولا يجد السبكي في مؤلفات إمام الحرمين ما يؤكد هذه التهمة، إذ يقول: «لقد فحصت عن كلمات هذا الإمام في كتبه الكلامية فوجدت إحاطة علم الله تعالى عنده بالجزئيات أمرا مفروغا منه، وأصلا مقررا يكفر من خالفه فيه» 4.
أما ما ذكر عن الجويني في البرهان، فلم يكن نصا صريحا في عدم علم الله تعالى بالجزئيات، وإنما هومن باب استنتاجات المازري في شرحه للبرهان، والمازري من المغاربة، والمغاربة شديد والتعظيم لأبي الحسن الأشعري والإمام مالك، ويمكن أن يكون قد هاله معارضة الجويني للأشعري والإمام مالك في بعض المسائل الأصولية التي عرضت في البرهان 5، لذا كان ما ذكر من باب التحامل على هذا الإمام.
إن هذا الدفاع، وإن صدر من أشعري متحمس لا ينفي موضوعيته إلى درجة كبيرة خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار، الصمت التام عن هذه المسألة من الأشاعرة المتأخرين عن الجويني، وهؤلاء لم يعتادوا السكوت عن مثل هذه المخالفات لمذهب الأشعري، خصوصا وأن هؤلاء المتأخرين كالشهرستاني والرازي والآمدي والجرجاني، لم يغفروا للجويني قوله بنظرية الأحوال البهشمية، ومخالفته للشيخ الأشعري في القدرة الحادثة، وكونها مؤثرة حقيقة في الفعل الإنساني 6.
1)السبكي، طبقات الشافعية ج 5 ص 188.
2)المصدر نفسه ج 5 ص 192 - 207.
3)المصدر نفسه ج 5 ص 185.
4)المصدر نفسه ج 5 ص 193، وانظر: فوقية حسين، الجويني ص 207.
5)السبكي، طبقات الشافعية ج 5 ص 192 - 193.
6)انظر: إشكاليات الجبر والاختيار عند الأشاعرة للمحقق ص 115.