ولما ظهر جهاد النبي صلى الله عليه وسلم وأعرضت قريش عن الانصياع للحق سلط الله عليهم عذابه ليذعنوا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم فقد جاء في الصحيحين عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما (أن قريشًا لما استعصت على النبي صلى الله عليه وسلم ورأى منهم إدبارًا دعا عليهم بسبع كسبع يوسف، فأخذتهم سنة حست كل شيء حتى أكلوا الجلود والميتة والجيف وينظر أحدهم إلى السماء فيرى الدخان من الجوع، فجاء أبو سفيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له يا محمد إنك تأمر بطاعة الله وبصلة الرحم وإن قومك قد هلكوا فادع الله لهم قال تعالى(فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين .. ) إلى قوله (إِنَّكُمْ عَائِدُونَ * يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ) كل ما أصابهم كان بسبب جهاد النبي صلى الله عليه وسلم لهم وكان ذلك بعد الهجرة وتشريع الجهاد، ولم يصبهم ما أصابهم بسبب جيش النبي صلى الله عليه وسلم في ميدان المعركة، فالرسول قتل من قريش ما لا يزيد عن 200 رجل في معاركه معهم، وهم قتلوا من المسلمين قريبًا من نصف هذا العدد، ولكن الله أصاب قريشًا بقارعة من عنده أذعنت لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فهدى منهم أقوامًا وأهلك آخرين على كفرهم.
وفي عصرنا الحاضر أكد زوال الاتحاد السوفيتي هذه الحقيقة فلم يكن المجاهدون في ميدان المعركة أقوى ولا أقدر ولا أكثر من السوفييت، ولكن بحربهم لدين الله تعالى وقتلهم لأوليائه، تتابعت عليهم المحن والبلايا والفقر والفساد حتى سقط الاتحاد السوفيتي، فمن قال إنه سقط بسبب النظام الشيوعي الاشتراكي فهاهي دول لا زالت على ذلك النظام ولم تسقط، ومن قال بسبب ديونهم فأمريكا وقت سقوط الاتحاد السوفيتي كانت أكثر ديونًا منها لا سيما الديون الداخلية، ومن قال بسبب الحكم العسكري الدكتاتوري لها، فلا تزال دولًا أشد منها حكمًا عسكريًا باقية، والناظر لأسباب سقوط الاتحاد السوفيتي لا يمكن أن يبدي أسبابًا أعظم من حربهم للدين وجهاد المجاهدين لهم والشواهد من التاريخ ومن قصص الأنبياء أكثر من أن تحصر وكلها تدل على أن جهاد المجاهدين هو السبب الرئيسي لإحلال العذاب والدمار على من حاربهم، فالجهاد سبب لهلاك الكافرين والنصر للمؤمنين من عند الله تعالى، ولو لم نر النصر عاجلًا فإنه يوشك أن يكون، ولا يوجد في التاريخ قوم هلكوا بدون سبب وكل القوارع التي حلت بالكافرين كان بسبب جهاد رسلهم لهم أو بسبب جهاد المؤمنين من عباد الله الصالحين.
المعنى التاسع من معاني النصر:
ومن صور النصر أيضًا أن يكون الجهاد سببًا في فقر الكافرين وموتهم على كفرهم وعدم هدايتهم، وهذا من أعظم أنواع النصر، فحربهم للدين ومجابهتهم للمجاهدين تصبح سببًا لضلالهم وإيغالهم في الكفر حتى الموت، وهذا ما دعا به موسى وهارون عليهما السلام على فرعون وقومه فقال موسى عليه السلام (وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ) فدعاء موسى عليه السلام بهذه الأمور يدل على أن تحققها يعد نصرًا حقيقيًا، وأي هزيمة أعظم من أن يشدد الله على قلوب الكافرين حتى يلاقوا العذاب الأليم وحينها يفرح المؤمنون بذلك الموقف الذي يقال فيه لأئمة الكفر (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) (فبطرهم وأشرهم وطغيانهم وزعمهم الدفاع عن الحرية والحضارة وحرب الإرهاب كل تلك الأمور سوف تنتهي بانتهاء حياتهم التي لم يبق منها إلا أقل مما فات، وبعدها ينتقل إلى موقف يشفي الله به صدور المؤمنين عندما يقال لهم(قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ .. ) ، وإن تحقق فقر الكافرين في الدنيا فقد منح الله أكتافهم لعباده المؤمنين.
وقد كان جهاد النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا سببًا في بغي اليهود وطغيانهم، فشد الله على قلوبهم حتى ماتوا وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، فماتوا على الكفر والموعد يوم الحساب.
المعنى العاشر من معاني النصر: