فخلد الله ذكرهم مادحًا لهم بما لم يمدح به أحدًا قبلهم ولا بعدهم فقال (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير) فكل مؤمن غاب عنه معنى النصر الحقيقي كتلك المرأة منهم فإن هذه الآية وهذا المدح وهذه الشهادة تبين معنى النصر وتوضح ما غاب عن الأفهام.
المعنى السابع من معاني النصر:
ومن معاني النصر أن ينصر الله عباده نصر حجة وبيان وهو قريب من المعنى الذي سبق إلا أنه يفترق أن المبدأ المنتصر هنا لا يكون لازمًا على المنتصر بل يتعدى إلى غيره سواء مات صاحبه أم لم يمت، المهم أن حجته تبلغ ويقتنع بها أقوام ولو كان مستضعفًا لم ينتصر نصرًا ميدانيًا، كما قال تعالى عن نصر حجة إبراهيم عليه السلام على قومه بعد مناظرتهم حيث قال (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) والرفع هو الانتصار، وكذلك نصر الله إبراهيم على النمرود عندما حاجّه فقال الله (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَاتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَاتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) .
وفي قصة انتصار مبدأ غلام أصحاب الأخدود دليلٌ واضحٌ على معنى نصر المبدأ، فقد قتل الغلام ولكن حجته ومبدأه انتصر وغلب كفر الملك وأسلم الناس جميعًا، فنصر الحجة بسبب مقتل الغلام وثباته قبل مماته كان نصرًا ظاهرًا هزم الكفر في عصره رغم ما يملكه الكفر من قوة وسطوة إلا أنه اندحر أمام ذلك الثبات والمبدأ والمعتقد العظيم.
والطائفة المنصورة أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بظهورها ونصرها فقال كما في الصحيحين (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك) . فهذا الظهور أدناه أنه ظهور حجة وبيان، وقد يكون معه ظهور دولة وسلطان، ولكن رغم خذلان الأمة لهم واجتماع أعدائهم عليهم فإنهم ظاهرون.
المعنى الثامن من معاني النصر:
ومن أنواع نصر الله للمجاهدين أن يهلك عدوهم بقارعة من عنده ويكون سبب تلك القارعة هو جهاد المجاهدين، فقد يعجز المجاهدون عن هزيمة عدوهم في الميدان وهذا غالبًا لعدم المكافأة في المعركة، ولكن الله قوي عزيز، وبما أن المجاهدين قد بذلوا السبب وعملوا بما أوتوا من قوة ووسع للإعداد لجهاد الأعداء، فإن الله سيجعل من مجهودهم البسيط ومواجهتهم الضعيفة سببًا لهلاك عدوهم بقارعة من عنده وأكد الله لنا ذلك بقوله (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) .
والقارعة التي حلت بفرعون من أجل جهاد موسى عليه السلام ومن معه توضح هذا الأمر، فإن الله تعالى قادر على أن يهلك فرعون قبل مجيء موسى عليه السلام أو بعد مجيء موسى ولكن في أول إعراض فرعون وتكبره، ولكن الله أمهله حتى طغى وتجبر وخرج بخيله ورجله لإطفاء نور الله تعالى، وفي الميدان حلت القارعة بفرعون وجنوده وكان السبب موسى عليه السلام فقال الله تعالى (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ) وقال (وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ) .