عندما دخل ميدان النزال وخاض معركة الإسلام فهذا هو علوه، فانتصر على عدوه بعلوه، فعندما يجابه قوم عزل لا يملكون من السلاح إلا القليل وهم فقراء قلة ليس معهم إلا الإيمان، فمن أجل ماذا تجاهد الأمة عدوها وهي أقل منه عددًا وعدة؟ من أجل ماذا تجاهد الأمة عدوها وهزيمتها بالمقياس المادي البحت مؤكدة واقعة؟ أليست أمة لا تملك المقومات المادية نسبة لعدوها وتواجهه بعدما أعدت ما استطاعت أليست أمة منتصرة من مجرد بدء الصراع، إن الأمة التي تواجه بإيمانها عدوها المدجج بأحدث الأسلحة والعتاد إنها أمة منتصرة بشموخها ومبادئها.
عندما يواجه من كان هذا حاله دول العالم بعدتها وعتادها وما تملكه من تكنلوجيا ألا يعد هذا علوا ونصرًا أرخص العبد فيه نفسه من أجل ما يعتقده؟ بلى والله إن التاريخ يكتب بمداده حياة الأبطال ولو كانت نهايتهم الشهادة، ومن خلد أكثر منهم وعاش في ذل فإن التاريخ لا يذكره بل يمقته، وما أكبر البون وأعظم الفرق بينهم عند رب العالمين.
وفي ثبات المجاهد على طريق الجهاد وعلى معتقده ومبادئه التي قاتل من أجلها، يكون قد حقق نصر المبدأ وعلو العقيدة والدين على طائفتين:
الطائفة الأولى: انتصر بمبادئه على مبادئ الضلال الملية من أهل البدع والخرافة والفلسفة التي أبعدت النجعة وكدرت صفو النصوص وأولتها وحرفتها عن أصلها من أجل إرجاع المجاهد عن مبادئه فإذا أصر وقاتل من أجلها ولم يستمع لما يطرح من أهل الضلال والتخذيل من شبه فإنه حقق نصرًا عليهم.
الطائفة الثانية: انتصر بمبادئه على مبادئ أهل الكفر والزندقة والردة والإلحاد، فحينما يعلنها صريحة أنه يتمنى الموت في سبيل ما يعتقد وأن الموت لا يقدم في قناعاته ولا يؤخر شيئًا فإن ذلك يعد من أعظم النصر.
ويتجلى ذلك النصر العظيم بموقف من كانوا سحرة لفرعون حينما هددهم بالقتل والصلب بعدما أعلنوا إيمانهم فقال ( .. فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى) فأجابوا بعزة المؤمن وبعلو منقطع النظير (قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) وفي جواب آخر لهم قالوا (وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ) الله أكبر نعم والله إن هذا لهو النصر العظيم الثبات على المبدأ حتى الممات.
ويتجلى النصر أيضًا بقصة خبيب رضي الله عنه عندما كان مصلوبًا بين أيدي كفار قريش وليس بينه وبين الموت إلا لحظات كما في رواية أبي الأسود عن عروة حيث قال (فلما وضعوا فيه السلاح وهو مصلوب نادوه وناشدوه أتحب أن محمدا مكانك قال لا والله العظيم ما أحب أن يفديني بشوكة في قدمه) الله أكبر ما أعظمه من نصر وعلو.
وكم من أمة قتلت وأبيدت وانتدثرت لم يخلد الله ذكرها ويثني عليها كما أثنى على أولئك الذين وصفهم بأنهم فازوا فوزًا كبيرا، لقد ساوم أهل الكفر أصحاب الأخدود على أمرين إما الرجوع عما هم عليه أو الموت حرقًا بالنار والثبات على المبادئ، فلم تكن نار الدنيا لترجعهم عما هم عليه، فآثروا النجاة من نار الآخرة بدخول نار الدنيا، فتهافتوا في النار كأنهم جراد بإقدام وفداء لم يرعهم منظر النيران العظيمة، بل دخلوا فيها لينتصروا، وعندما تقاعست امرأة واحدة وفكرت وغاب عنها مفهوم النصر أنطق الله رضيعها ليشرح لها مفوهم النصر الحقيقي والفوز الكبير، فقال لها كما جاء عند مسلم: (يا أمه أصبري فإنك على الحق) ، فقفزت في النار فانتصرت ورضيعها.