الصفحة 24 من 27

بالعمل وحده أو بالاعتقاد وحده، فلا ترابط بينها البتة، ولم يشترط الاعتقاد في قول الكفر أو عمل الكفر إلا أهل البدع من مرجئة وجهمية وغيرهم.

والحاصل فإن اتباع ملة اليهود والنصارى تكون بالقول أو العمل أو الاعتقاد، وحينما نستصحب هذا التوصيف فما أكثر المهزومين من أبناء المسلمين، لا سيما أمام هذه الحملة الصليبية الشرسة.

يقول ابن جرير رحمه الله تعالى في تفسيره 1/ 565 على قوله تعالى: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى) .. الآية "وليست اليهود - يا محمد - ولا النصارى براضية عنك أبدًا، فدع طلب ما يرضيهم ويوافقهم، وأقبل على طلب رضا الله في دعائهم إلى ما بعثك الله به من الحق؛ فإن الذي تدعوهم إليه من ذلك لهو السبيل إلى الاجتماع فيه معك على الألفة والدين القيم"

وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في اقتضاء الصراط 1/ 85 "أخبر سبحانه أنه أنعم على بني إسرائيل بنعم الدين والدنيا، وأنهم اختلفوا بعد مجيء العلم بغيًا من بعضهم على بعض، ثم جعل محمدًا صلى الله عليه وسلم على شريعة شرعها له، وأمره باتباعها، ونهاه عن اتباع أهواء الذين لا يعلمون، وقد دخل في الذين لا يعلمون كل من خالف شريعته.

وأهواءهم: هو ما يهوونه؛ وما عليه المشركون من هديهم الظاهر، الذي هو من موجبات دينهم الباطل، وتوابع ذلك فهم يهوونه، وموافقتهم فيه اتباع لما يهوونه، ولهذا يفرح الكافرون بموافقة المسلمين في بعض أمورهم، ويسرون به ويودون أن لو بذلوا مالًا عظيمًا ليحصل ذلك. ولو فرض أن ليس الفعل من اتباع أهوائهم فلا ريب أن مخالفتهم في ذلك أحسم لمادة متابعتهم في أهوائهم وأعون على حصول مرضاة الله في تركها، وأن موافقتهم في ذلك قد تكون ذريعة إلى موافقتهم في غيره، فإن من حام حول الحمى أوشك أن يواقعه، وأي الأمرين كان حصل المقصود في الجملة وإن كان الأول أظهر ... وقد قال: (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ) ومتابعتهم فيما يختصون به من دينهم وتوابع دينهم اتباع لأهوائهم، بل يحصل اتباع أهوائهم بما هو دون ذلك. ومن هذا أيضا قوله تعالى (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) .

فانظر كيف قال في الخبر (مِلَّتَهُمْ) وفي النهي: (أَهْوَاءَهُمْ) ؛ لأن القوم لا يرضون إلا باتباع الملة مطلقًا، والزجر وقع عن اتباع أهوائهم في قليل أو كثير، ومن المعلوم أن متابعتهم في بعض ما هم عليه من الدين نوع متابعة لهم في بعض ما يهوونه أو مظنة لمتابعتهم فيما يهوونه كما تقدم" أ. هـ كلامه رحمه الله تعالى.

ومن هذا يتبين لنا أن الهزيمة كل الهزيمة باتباع ملة الكافرين، أو اتباع ما يهوونه سواءً بالقول أو الفعل أو الاعتقاد، وما أكثر المنهزمين اليوم، الذي اتبعوا ما يهواه الكافرون، وزعموا بأن الله يأمر بهذا، (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَامُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) ، ولا يعلن اليوم قادة الصليبيين أمرًا يهوونه ويريدونه من المسلمين، إلا تهافت عدد من أبناء المسلمين مبدين أن الإسلام أتى قبل ألف وأربعمائة سنة بما ينادي به الحقراء، فليس تهافتهم هذا إرضاءً لله، إنما هو اتباع لأهوائهم أو اتباع من البعض لملتهم، فأي هزيمة أعظم من هذه الهزيمة.

ثاني معاني الهزيمة: المداهنة للكافرين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت