قال تعالى: (فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ * وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) وقوله: (فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ) نهي من الله سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يطيع المكذبين - وهم كفار مكة - بما فيه خلاف الحق.
قال القرطبي رحمه الله في تفسيره 18/ 230 "نهاه عن ممايلة المشركين، وكانوا يدعونه إلى أن يكف عنهم ليكفوا عنه، فبين الله تعالى أن ممايلتهم كفر، وقال تعالى: (وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا) ".
قال الشوكاني رحمه الله في فتح القدير 5/ 268 " (فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ) : نهاه سبحانه عن ممايلة المشركين - وهم رؤساء كفار مكة - لأنهم كانوا يدعونه إلى دين آبائه فنهاه الله عن طاعتهم، أو هو تعريض بغيره عن أن يطيع الكفار، أو المراد بالطاعة مجرد المداراة بإظهار خلاف ما في الضمير، فنهاه الله عن ذلك".
وقال أبو السعود رحمه الله في تفسيره 9/ 13 على قوله تعالى: (فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ) "تهييج وإلهاب للتصميم على معاصاتهم، أي: دم على ما أنت عليه من عدم طاعتهم، وتصلب في ذلك، أو نهى عن مداهنتهم ومداراتهم بإظهار خلاف ما في ضميره صلى الله عليه وسلم استجلابا لقلوبهم لا عن طاعتهم كما ينبىء عنه قوله تعالى: (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ) فإنه تعليل للنهي أو الانتهاء، وإنما عبر عنها بالطاعة للمبالغة في الزجر والتنفير، أي: أحبوا لو تلاينهم وتسامحهم في بعض الأمور، (فَيُدْهِنُونَ) أي: فهم يدهنون حينئذ، أو فهم الآن يدهنون طمعا في ادهانك".
والادهان: اللين والمصانعة، فبيّن الله سبحانه وتعالى هنا أن كفار مكة ودوا لو أن محمدًا صلى الله عليه وسلم لان لهم وصانعهم، وقد نهاه الله سبحانه عن ذلك ".
قال أبو المظفر السمعاني رحمه الله في تفسيره 6/ 20 "وقوله: (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) أي: تضعف في أمرك فيضعفون، أو تلين لهم فيلينون. والمداهنة: معاشرة في الظاهر ومحالمة بغير موافقة الباطن".
قال المبرد: "يقال: أدهن في دينه وداهن في أمره، أي: خان فيه وأظهر خلاف ما يضمر. وقال قوم: داهنت بمعنى واريت، وأدهنت بمعنى غششت".
وضل أقوام فظنوا أن المداهنة المحرمة، هي نفسها المداراة الجائزة، فولجوا باب الهزيمة جاهلين أو متجاهلين أنهم ولجوه باسم المداراة الشرعية، ولتوضيح ذلك نقول:
إن باب (المداراة) شيء، وباب (المداهنة) شيء آخر، فتجوز المداراة بخلاف المداهنة، فالمداراة من باب التلطف بالقول مع المخالف، واللين، والرفق، ولا يكون فيها إقرار باطل، أو تقرير له، ونحو ذلك، فإن حصل شيء من هذا فقد انتقل إلى باب (المداهنة) .
والرسول صلى الله عليه وسلم في حديث (بئس أخو العشيرة) لم يتكلم بباطل، ولم يقر شيئًا باطلًا، ولم يفعل معصية في عمله - وحاشاه صلى الله عليه وسلم - وهو من باب دفع الشر، أو غيره، ولكنه بطريقة مشروعة، لم تخالط بمعصية، وقد وردت أحاديث في مدح مداراة الناس لأنها قد تكون من باب حسن الخلق في بعض الأحيان.