ونقول لك إن الغيب أنواع، فمنها ما هو غيب زمانى لسبق زمانه عن الزمن الحالى، وهذا كحكاية سيدنا عثمان بن عفان السابقة، أو غيب زمانى لأن زمانه لم يأت، ومنها ما صح عن سيدنا أبى بكر الصديق وذكرناه سابقًا وما نقلناه عن سيدنا الإمام على، وقد يكون غيبًا مكانيًا لاختلاف المكان، وهو ما نقلناه وصح في قصة سيدنا عمر بن الخطاب السابقة، ثم قد يكون غيبًا ذاتيًا كإطلاع الولى على بعض الأسماء الإلهية التى لم تكشف لغيره، ويدل عليها ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم من قوله:
"أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدًا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك"
فقوله:"أو علمته أحدًا من خلقك"دليل على ما ذكرنا.
ثم هناك الغيب المحض، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق:"أو استأثرت به في علم الغيب عندك"فهذا وما نحوه من الأسماء والصفات الإلهية التى استأثر الله بها فهى غيب محض لا سبيل لمعرفته إذ لا يعرف الله إلا الله، وما تعرفنا إليه سبحانه إلا بقدر ما تعرف إلينا بما نتحمل من تجلياته علينا.
فإذا كان الله يطلع الولى على أمور من غيب ذاته، فأمور غيب الزمان والمكان لا تقاس بذلك.
ثم هناك نوع آخر من الغيب وهو غيب الغيب، فإن الله قال عن العبد الصالح آصف بن برخيا الذى أتى بعرش بلقيس لسيدنا سليمان قبل أن يرتد إليه طرفه:
(قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُك) .
فأشار إلى أنه عنده علم من الكتاب، وقد يكون المراد بالكتاب هنا اللوح المحفوظ، فقد ورد في بعض التفاسير إشارة إلى أنه كتاب المقادير. فإن كان الغيب هو ما خُطَّ في اللوح المحفوظ، فهناك غيب لم يدون فيه بدليل قوله تعالى:
(يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ)