فما أُثبت في أم الكتاب بعد المحو كان غيبًا قبل ذلك لم يطلع عليه أحد إلا الله، وهذا هو غيب الغيب، ولذلك إذا كشف الله لعبد من عباده عن غيب من المغيبات المخطوطة في أم الكتاب فإن هذا العبد لا يركن إلى ذلك، ولا يأمن مكر الله لوجود المحو والإثبات ولذا يقول الصديق الأكبر أبو بكر (لا آمن مكر الله ولو كانت إحدى قدمى في الجنة) .
ثانيًا:
يقول كاتب المقالة المذكورة أن كل أئمة السنة يقرون الكرامات ويثبتونها ثم نراه يثبت ذلك نظريًا وينكره فعليًا، وقد أشار إلى ذلك سيدى ابن عطاء الله من كلامه على أحوال الناس في مسألة الكرامات فيقول:
وفرقة أخرى يصدقون بأن في مملكة الله أولياء لهم كرامات من غير أن يسلموا ذلك لأحد من أهل زمانهم معينًا، فكل من ذكر لهم أنه ولى أو نسبت إليه كرامة دافعوا إثبات ذلك بمقاييس اقتضتها عقولهم المعقولة بعقال الغفلة المخدوعة بمتابعة الهوى، فلن يجرى عليهم هذا التصديق وجود الاقتداء ولا اشراق نور الاهتداء، إذ الاقتداء لا يكون بولى مجهول العين في كون الله، بل الإقتداء إنما يكون بولى دلك الله عليه وأطلعك على ما أودعه من الخصوصية لديه، فطوى عنك شهود بشريته في وجود خصوصيته، فألقيت إليه القياد فسلك بك سبيل الرشاد، يعرفك برعونات نفسك وكمائنها ودفائنها، ويدلك على الجمع على الله، ويعلمك الفرار عما سوى الله، ويسايرك في طريقك حتى تصل إلى الله، ويوقفك على إساءة نفسك، ويعرفك بإحسان الله إليك، فيفيدك معرفة إساءة نفسك الهرب منها وعدم الركون إليها، ويفيدك العلم بإحسان الله إليك الإقبال عليه، والقيام بالشكر إليه، والدوام على مر الساعات بين يديه.
ثالثا:
الكلام على خوارق العادات يقتدى تقسيمها إلى ما قسمه العلماء إلى ستة أقسام:
• فإن كان خرق العادة من نبى فهو معجزة.
• وإن كان من نبى قبل وصف النبوة فهو الإرهاص.
• وإن كان من ولى فإنه الكرامة.