وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلى رضى الله عنه:"إنما هما كرامتان جامعتان محيطتان: كرامة الإيمان بمزيد الإيقان وشهود العيان، وكرامة العمل على الإقتداء والمتابعة ومجانبة الدعاوى والمخادعة، فمن أعطيهما ثم جعل يشتاق إلى غيرهما فهو عبد مفتر كذاب وذو خطأ في العلم والعمل بالصواب، كمن أكرم بشهود الملك على نعت الرضا فجعل يشتاق إلى سياسة الدواب وخلع الرضا. وكل كرامة لا يصحبها الرضا عن الله ومن الله فصاحبها مستدرج مغرور أو ناقص أو هالك مثبور".
ونقول: إن الكرامة المعنوية أن يكرمك الله بالتأثير في ذاتك أولًا، وأن تمحو منها كل النقائص وكل الشهوات، وهذا يؤهلك أن تؤثر في غيرك وتأخذ بأيديهم دون مشقة لهم إلى معرفة الحق، وهذه لا يؤتاها إلا أولو العزم من الأولياء.
ثامنًا:
جعل مؤلف المقالة المذكورة الشهداء والصالحين: أولياء، والصديقين هم كل مؤمن، وجعل التصديق والصديقية أمرًا واحدًا، ونحن نشير له إلى مختصر من كلام العلماء في هذه الأقسام، فننقل جانبًا مما قاله الشيخ الأكبر في ذلك بتصرفٍ يسير حيث يقول:
(الصديقون) هم الذين تولاهم الله بالصديقية قال تعالى: (وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ) فالصديق من آمن بالله وبرسله عن قول المخبر لا عن دليل سوى النور الإيمانى الذى يجده في قلبه المانع له من تردد أو شك يدخله في قول المخبر الرسول.
(والشهداء) لهم معنى آخر وهو الأقرب لتسلسل السياق، وهم الذين تولاهم الله بالشهادة وهم من المقربين وهم أهل الحضور مع الله على بساط العلم به قال تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ) فجمعهم مع الملائكة في بساط الشهادة، فهم موحدون عن حضور إلهى وعناية أزلية...