«أَبْدَأُ» مَنْظُومَتِى بَدْءًَا إِضَافِيًَا «بِالْحَمْدِ» للهِ تَعَالَى اقْتِدَاءً بِالْكِتَابِ الْعَزِيزِ الْمُفْتَتَحِ بِسُورَةِ الْحَمْدِ «مُصَلِّيًَا» أَيْ أَبْدَأُ حَالَ كَوْنِي مُصَلِّيًَا، فَهِيَ حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ حُذِفَ عَامِلُهَا جَوَازًَا، وَمُسَلِّمًا «عَلَى» النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى «مُحَمَّدٍ» ، وَهُوَ كَمَا أَنْبَأَ عَنْ نَفْسِهِ «خَيْرِ نَبِيٍّ» وَرَسُولٍ، فَهُوَ سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [الأَحْزَابُ: 40] .
وَثَبَتَ وَصَحَّ عَنْهُ قَوْلُهُ: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى مِنْ بَنِي كِنَانَةَ قُرَيْشًا، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
وَمِنْ خَصَائِصِهِ أَنَّهُ «أُرْسِلا» بِأَلَفِ الاطْلاقِ: أَيْ أُرْسِلَ لِعُمُومِ الْخَلْقِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} ، وَاسْتَفَاضَ عَنْهُ قَوْلُهُ: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي» وَذَكَرَ مِنْهَا: «كَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْت إلَى النَّاسِ عَامَّةً» وَأَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ.
«وَذِي» أَيْ الأَنْوَاعَ الآَتِي ذِكْرُهَا حَالَ كَوْنِهَا «مِنْ أَقْسَامِ الْحَدِيثِ» وَالْمُرَادُ هَاهُنَا الاصْطِلاحِيَّ، وَهُوَ مَا أضِيفَ إِلَى النَّبيِّ قَوْلًا، أَوْ فِعْلًا، أَوْ تَقْرِيرًا، أوْ صِفَةً «عِدَّهْ» أَوْصَلَهَا إلَى اثْنَيْنِ وَثَلاثِينَ نَوْعًا، مِنْهَا مَا يَخْتَصُّ بِالْمَتْنِ كَالْمَرْفُوعِ، وَالْمَوْقُوفِ، وَالْمُرْسَلِ، وَمِنْهَا مَا يَخْتَصُّ بِالسَّنَدِ كَالْعَالِي، وَالنَّازِلِ، وَالْمَوْصُولِ، وَالْمُنْقَطِعِ، وَمِنْهَا مَا يَرْجِعُ إِلَيْهِمَا: كَالصَّحِيحِ، وَالْحَسَنِ. «وَكُلُّ وَاحِدٍ» مِنَ هَذِهِ الأَقْسَامِ «أَتَى» أَيَْ سَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ مِنَ النَّظْمِ «وَحَدَّهْ» الْوَاوُ هَاهُنَا لِلْمَعِيَّةِ، وَمَا بَعْدَهَا مَفْعُولٌ مَعَهُ، أَيْ مَعَ حَدِّهِ، وَتَعْرِيفِهِ.
أَوَّلُها الصَّحِيْحُ وَهْوَ ما اتَّصَلْ ... إسْنادُه ولمْ يَشُذَّ أو يُعَلْ
يَرْوِيْهِ عَدْلٌ ضابِطٌ عَنْ مِثْلِهِ ... مُعْتَمَدٌ في ضَبْطِهِ ونَقْلِهِ
قَوْلُهُ «أوَّلُهَا» أَيْ هَذِهِ الأَقْسَامِ «الصَّحِيحُ» لِذَاتِهِ الْمُجْمَعُ عَلَى صِحَّتِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ بِخِلافِ غَيْرِهِمْ كَالْفُقَهَاءِ , أَمَّا الصَّحِيحُ لِغَيْرِهِ فَهُوَ الْحَسَنُ لِذَاتِهِ، إِذَا رُوِي مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى مِثْلَهُ أَوْ أَقْوَى مِنْهُ، فَيَرْتَقِي لِلصَّحِيحِ لِغَيْرِهِ «وَهُوَ مَا» أَيْ الْحَدِيثُ الَّذِي «اتَّصَلَ إِسْنَادُهُ» اتِّصَالًا يَدُلُّ عَلَى سَمَاعِ كُلِّ رَاوٍ عَنْ شَيْخِهِ، بِأَنْ يَكُونَ كُلُّ رَاوٍ سَمِعَهُ مِمَّنْ فَوْقَهُ مِنْ أَوَّلِ السَّنَدِ إِلََى آخِرِه، حَتَّى يَنْتَهِيَ بِهِ إِلَى النَّبيِّ إِنْ كَانَ مَرْفُوعًا، أوْ الصَّحَابِيِّ إِنْ كَانَ مَوْقُوفًا، أَوْ التَّابِعِيِّ إِنْ كَانَ مَقْطُوعًا، وَفِي هَذَا احْتِرَازٌ عَمَّا لَمْ يَتَّصِلْ: كَالْمُنْقَطِعِ، وَالْمُعْضَلِ، وَالْمُرْسَلِ، وَالْمُعَلَّقِ، وَالْمُدَلَّسِ «وَ» الْحَالُ اللازِمَةُ لِلْحَدِيثِ مَعَ اتِّصَالِ سَنَدِهِ أنَّهُ «لَمْ يَشُذّْ» أَيْ لَمْ يَكُنْ شَاذًَّا بِمُخَالِفَةِ رَاوِيهِ الثِّقَةِ، وَقِيلَ: الْمَقْبُولِ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ