حَفِظَهُ وَضَبَطَهُ وَاحِدًَا كَانَ أَوْ أَكْثَرُ «أَوْ يُعَلّ» بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ أَيْ لَمْ يَكُنْ مُعَلًا بِعِلَّةٍ تَقْدَحُ فِي صِحَّتِهِ، وَالْعِلَّةُ الْقَادِحَةُ هِيَ سَبَبٌ خَفِيٌّ مُؤَثِّرٌ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ الْجَامِعِ شُرُوطَ الصِّحَّةِ ظَاهِرًا، كَالْوَقْفِ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ، أَوْ الإِرْسَالِ فِي الْمَوْصُولِ، أَوْ دُخُولِ حَدِيثٍ فِى حَدِيثٍ، وَبِهَذَا الْقَيْدِ يَعْنِي الْعِلَّةَ الْخَفِيَّةَ خَرَجَتْ الْعِلَّةُ الظَّاهِرَةُ، كَالْفِسْقِ، وَسُوءِ الْحِفْظِ، وَكُلِّ مَا لِلْجَرْحِ فِيهِ مَدْخَلٌ.
«يَرْوِيهِ عَدْلٌ» أيْ ثِقَةٌ مَأْمُونٌ عَلَى مَا يَرْوِيهِ، وَحَدُّ الْعَدْلِ: أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا، بَالِغًَا، عَاقِلًا، سَالِمًا مِنْ أَسْبَابِ الْفِسْقِ وَخَوَارِمِ الْمُرُوءَة. فَهَذِهِ قُيُودٌ خَمْسَةٌ: الإسْلامُ، وَالْبُلُوغُ، وَالْعَقْلُ، وَالسَّلامَةُ مِنَ الْفِسْقِ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ، وَعَدَمِ الإِصْرَارِ عَلَى الصَّغَائِرِ، وَالسَّلامَةُ مِنْ خَوَارِمِ الْمُرُوءَةِ. وَبِهَذِهِ الْقُيُودِ خَرَجَ ثَمَانِيَةُ أَنْوَاعٍ: الْكَافِرُ، وَالْكَذَّابُ، وَالْفَاسِقُ، وَالْمُبْتَدِعُ، وَالْمَجْنُونُ، وَالْمَجْهُولُ، وَغَيْرُ الْمُمَيِّزِ، وَمَنْ لَمْ يَسْلَمْ مِنْ خَوَارِمِ الْمُرُوءَةِ «ضَابِطٌ» أَيْ لِمَا تَحَمَّلَهُ مِنَ الْحَدِيثَ حَتَّى يُؤَدِيهِ، وَلا يُشَكُّ فِي اشْتِرَاطِ ذَلِكَ، لأَنَّ مَنْ كَثُرَ خَطَؤُهُ اسْتَحَقَّ التْرْكَ، وَإِنْ كَانَ عَدْلًا «عَنْ مِثْلِهِ» مُتَعَلِّقٌ بِيَرْوِي أَيْ يَرْوِيهِ عَدْلٌ ضَابِطٌ عَنْ مِثْلِهِ مِنَ أَوَّلِ السَّنَدِ إِلَى مُنْتَهَاهُ، وَهُوَ النَّبيُّ أَوْ الصَّحَابِيُّ، فَدَخَلَ فِي الصَّحِيحِ الْمَرْفُوعُ وَالْمَوْقُوفُ «مُعْتَمَدٌ» بِفَتْحِ الْمِيمِ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ صِفَةٌ لِضَابِطٍ «فِي ضَبْطِهِ» بِصَدْرِهِ «وَنَقْلِهِ» مِنْ كِتَابِهِ لِمَا يَرْوِيهِ. فَالضَّبْطُ نَوْعَانِ: ضَبْطُ صَدْرٍ، وَضَبْطُ كِتَابٍ، وَالأَوَّلُ: هُوَ الَّذِي يَحْفَظُ مَا سَمِعَهُ وَيُتْقِنُهُ بِحَيْثِ يُمْكِنُهُ اسْتِحْضَارَهُ مَتَى شَاءَ، وَالثَّانِي: هُوَ الَّذِي يَصُونُ كِتَابَهُ عَنْ تَطَرُّقِ الْخَلَلِ إِلَيْهِ مِنْ وَقْتِ سَمَاعِهِ إِلَى أَنْ يُؤَدِيهِ. وَيَجْمَعُهُمَا الْحِفْظُ وَالتَّيَقُّظُ، وَيٌزَادُ فِي الأَوَّلِ الإِتْقَانُ، وَفِي الثَّانِي الصِّيَانَةُ، لِيَحْتَرِزَ بِذَلِكَ عَنِ الْخَطَأ وَالْغَفِلَةِ وَالتَّخْلِيطِ. فَمَنْ كَثُرَ خَطَؤُهُ وَغَفْلَتُهُ وَتَخْلِيطُهُ، فَحَرِيٌّ أَلا بُقْبَلَ خَبَرُهُ، وَلا يُحْتَجَّ بِرِوَايَتِهِ، وَإِنْ كَانَ مَوْسُومًا بِالصِّدْقِ وَالْعَدَالَةِ.
وَالْخُلاصَةُ فَإِنَّ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ لِذَاتِهِ الْمُجْمَعُ عَلَى صِحَّتِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ مَا جَمَعَ شُرُوطًا خَمْسَةً: اتِّصَالَ السَّنَدِ، وَعَدَالَةَ الرُّوَاةِ، وَضَبْطَهُمْ، وَالسَّلامَةَ مِنَ الشُّذُوذِ، وَمِنَ الْعِلَّةِ الْقَادِحَةِ. وَحُكْمُهُ: الاحْتِجَاجُ بِهِ فِي الأُصُولِ وَالْفُرُوعِ، وَالْعَمَلُ بِمُقْتَضَى دِلالَتِهِ.
وَمِثَالُهُ: قَالَ الْبُخَارِيُّ «كِتَابُ الْجُمُعَةِ» «1154» : حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي عُمَيْرُ بْنُ هَانِئٍ قَالَ حَدَّثَنِي جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ حَدَّثَنِي عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: «مَنْ تَعَارَّ مِنْ اللَّيْلِ فَقَالَ: لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الْحَمْدُ للهِ وَسُبْحَانَ اللهِ وَلا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي أَوْ دَعَا اسْتُجِيبَ لَهُ، فَإِنْ تَوَضَّأَ، وَصَلَّى قُبِلَتْ صَلاتُهُ» .
وَقَالَ مُسْلِمٌ «كِتَابُ الْجَنَّةِ وَصِفَةِ نَعِيمِهَا وَأَهْلِهَا» «7312» : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ أَبِى صَالِحٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: «يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِىَ الصَّالِحِينَ مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ، وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، ذُخْرًا، بَلْهَ مَا أَطْلَعَكُمُ اللهُ عَلَيْهِ» ، ثُمَّ قَرَأَ: «فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِىَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ» .