وَالْحَسَنُ الْمَعْرُوفُ طُرْقًا وَغَدَتْ ... رِجَالُهُ لا كَالصَّحِيحِ اشْتَهَرَتْ
«وَالْحَسَنُ الْمَعْرُوفُ طُرْقًا» بِالنَّصْبِ تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنْ نَائِبِ الْفَاعِلِ، أَيْ الْمَعْرُوفُ طُرُقُهُ يَعْنِي أَسَانِيدَهُ، بِحَيْثُ يُحْكَمُ بِاتِّصَالِهِ، فَخَرَجَ بِهَذَا الْقَيْدِ: الْمُرْسَلُ وَالْمُنْقَطِعُ وَالْمُعْضَلُ وَالْمُدَلَّسُ «وَغَدَتْ رِجَالُهُ» مُشْتَهِرَةً بِالْعَدَالَةِ وَالضَّبْطِ.
وَهَذَا الْحَدُّ مُوَافِقٌ لِمَا قَالَهُ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ [1] : الْحَسَنُ مَا عُرِفَ مَخْرَجُهُ، وَاشْتَهَرَتْ رِجَالُهُ.
وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِّ تَمْيِيزُ الْحَسَنِ مِنَ الصَّحِيحِ، بَلْ وَلا مِنَ الضَّعِيفِ!.
قَالَ التَّقِيُّ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: لَيْسَ فِي عِبَارَتِهِ كَبِيْرُ تَلْخِيصٍ، فَالصَّحِيحُ أَيْضًا قَدْ عُرِفَ مَخْرَجُهُ وَاشْتُهِرَ رِجَالُهُ، فَيَدْخُلُ الصَّحِيحُ فِي حَدِّ الْحَسَنِ اهـ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْمُرَادَ اشْتَهَرَتْ رِجَالُهُ اشْتِهَارًا دُونَ رِجَالِ الصَّحِيحِ، وَهَذَا الْجَوَابُ مِنْ زِيَادَاتِ النَّاظِمِ فِي الْحَدِّ؛ حَيْثُ يَقُولُ: «رِجَالُهُ لا كَالصَّحِيحِ اشْتَهَرَتْ» يَعْنِي: رِجَالُهُ مُشْتَهِرَةٌ اشْتِهَارًا دُونَ شُهْرَةِ رِجَالِ الصَّحِيحِ.
وَلَهُمْ حُدُودٌ وَتَعْرِيفَاتٌ أُخْرَى لِلْحَسَنِ، مِنْهَا:
[الثَّانِي] قَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ فِي «الْعِلَلِ الصَّغِيْرِ» : وَمَا ذَكَرْنَا فِى هَذَا الْكِتَابِ حَدِيثٌ حَسَنٌ، فَإِنَّمَا أَرَدْنَا بِهِ حُسْنَ إِسْنَادِهِ عِنْدَنَا: كُلُّ حَدِيثٍ يُرْوَى لاَ يَكُونُ فِى إِسْنَادِهِ مَنْ يُتَّهَمُ بِالْكَذِبِ، وَلاَ يَكُونُ الْحَدِيثُ شَاذًّا، وَيُرْوَى مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ نَحْوَ ذَلِكَ، فَهُوَ عِنْدَنَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ أَيْضًا بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا تَمْيِيزُ الْحَسَنِ مِنَ الصَّحِيحِ، وَبِأَنَّ صَنِيعَهُ فِي جَامِعِهِ يُخَالِفُ ذَا، فَقَدْ حَسَّنَ فِيهِ بَعْضَ مَا انْفَرَدَ بِهِ رَاوٍ.
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللهِ ابْنُ الْمَوَّاقِ: إنّهُ لَمْ يَخُصَّ الْحَسَنَ بِصِفَةٍ تُمَيِّزُهُ عَنِ الصَّحِيحِ، فَلا يَكُونُ صَحِيحًا إِلاَّ وَهُوَ غَيْرُ شَاذٍ، وَلا يَكُونُ صَحِيحًا حَتَّى يَكُونَ رُوَاتُهُ غَيْرَ مُتَّهَمِينَ، بَلْ ثِقَاتٌ، فَظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْحَسَنَ عِنْدَ أَبِي عِيسَى صِفَةٌ لا تَخُصُّ هَذَا الْقِسْمَ، بَلْ قَدْ يَشْرِكُهُ فِيهَا الصَّحِيحُ، فَكُلُّ صَحِيحٍ عِنْدَهُ حَسَنٌ، وَلَيْسَ كُلُّ حَسَنٍ عِنْدَهُ صَحِيحًا اهـ.
قُلْتُ: بَلْ خَصَّهُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ بِمَا مَيَّزَهُ عِنْدَهُ خَاصَّةً عَنِ الصَّحِيحِ، حَيْثَ اشْتَرَطَ أنْ يُرْوَى مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَلَمْ يُشْتَرَطْ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ!. فَالْحَسَنُ عِنْدَهُ يُفَارِقُ الصَّحِيحَ مِنْ جِهَةٍ، وَيُشَارِكُهُ فِي بَقِيَّةِ الْجِهَاتِ.
[الثَّالِثُ] قَالَ أَبُو الْفَرَجِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ «الْمَوْضُوعَاتُ» (1/ 35) : الْحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ ضَعْفٌ قَرِيبٌ مُحْتَمَلٌ هُوَ الْحَدِيثُ الْحَسَنُ، وَيَصْلُحُ البِنَاءُ عَلَيْهِ، والْعَمَلُ بِهِ.
وَاعْتَرَضَهُ التَّقِيُّ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ضَبْطُ الْقَدْرِ الْمُحْتَمَلِ مِنْ غَيْرِهِ، فَلَمْ يَحْصٌلِ التَّعْرِيفُ الْمُمَيِّزُ لِلْحَقِيقَةِ.
وَلَمْ يَرْتَضِ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو ابْنُ الصَّلاحِ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْحُدُودِ الثَّلاثَةِ، بَلْ قَالَ فِي «مُقَدِّمَتِهِ» : كُلُّ هَذَا مُسْتَبْهَمٌ لا
(1) الإِمَامُ الْحَافِظُ الْفَقِيهُ أَبُو سُلَيْمَانَ حَمْدٌ - بِدُونِ هَمْزَةٍ - ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْخَطَّابِ الْخَطَّابِيُّ الْبُسْتِيُّ الشَّافِعِيُّ، مُصَنِّفُ أَعْلَامِ الْجَامِعِ الصَّحِيحِ لِلْبُخَارِيِّ، وَمَعَالِمِ السُّنَنِ لِأَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِمَا، وَأَحَدُ شُيُوخِ الْحَاكِمِ، مَاتَ بِـ"بُسْتَ"فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ.