الصفحة 6 من 33

يَشْفِي الْغَلِيلَ، وَلَيْسَ فِيمَا ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْخَطَّابِيُّ مَا يَفْصِلُ الْحَسَنَ مِنَ الصَّحِيحِ.

ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ أَمْعَنْتُ النَّظَرَ فِي ذَلِكَ وَالْبَحْثَ، جَامِعًا بَيْنَ أَطْرَافِ كَلامِهِمْ، مُلاحِظًا مَوَاقِعَ اسْتِعْمَالِهِمْ، فَتَنَقَّحَ لِي وَاتَّضَحَ أَنَّ الْحَدِيثَ الْحَسَنَ قِسْمَانِ:

أَحَدُهُمَا: الْحَدِيثُ الَّذِي لا يَخْلُو رِجَالُ إِسْنَادِهِ مِنْ مَسْتُورٍ لَمْ تَتَحَقَّقْ أَهْلِيَّتُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ لَيْسَ مُغَفَّلًا كَثِيرَ الْخَطَأِ فِيمَا يَرْوِيهِ، وَلا هُوَ مُتَّهَمٌ بِالْكَذِبِ فِي الْحَدِيثِ، أَيْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ تَعَمُّدُ الْكَذِبِ فِي الْحَدِيثِ، وَلا سَبَبٌ آخَرُ مُفَسِّقٌ، وَيَكُونُ مَتْنُ الْحَدِيثِ مَعَ ذَلِكَ قَدْ عُرِفَ بِأَنْ رُوِيَ مِثْلُهُ أَوْ نَحْوُهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَوْ أَكْثَرَ، حَتَّى اعْتَضَدَ بِمُتَابَعَةِ مَنْ تَابَعَ رَاوِيَهُ عَلَى مِثْلِهِ، أَوْ بِمَا لَهُ مِنْ شَاهِدٍ، وَهُوَ وُرُودُ حَدِيثٍ آخَرَ بِنَحْوِهِ، فَيَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يَكُونَ شَاذًّا وَمُنْكَرًا، وَكَلَامُ التِّرْمِذِيِّ عَلَى هَذَا الْقِسْمِ يَتَنَزَّلُ.

الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ رَاوِيهِ مِنَ الْمَشْهُورِينَ بِالصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ رِجَالِ الصَّحِيحِ، لِكَوْنِهِ يَقْصُرُ عَنْهُمْ فِي الْحِفْظِ وَالإِتْقَانِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَرْتَفِعُ عَنْ حَالِ مَنْ يُعَدُّ مَا يَنْفَرِدُ بِهِ مِنْ حَدِيثِهِ مُنْكَرًا، وَيُعْتَبَرُ فِي كُلِّ هَذَا - مَعَ سَلامَةِ الْحَدِيثِ مِنْ أَنْ يَكُونَ شَاذًّا وَمُنْكَرًا - سَلامَتُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُعَلَّلًا، وَعَلَى الْقِسْمِ الثَّانِي يَتَنَزَّلُ كَلَامُ الْخَطَّابِيِّ.

وَحَاصِلُ كَلامِ ابْنِ الصَّلاحِ: أَنَّ الْمُرْتَضَى فِي حَدِّ الْحَدِيثِ الْحَسَنِ أَنَّهُ مَا اتَّصَلَ سَنَدَهُ بِنَقْلِ عَدْلٍ قَلَّ ضَبْطُهُ، غَيْرَ شَاذٍّ وَلا مُعَلَّلٍ.

[فُرُوعٌ وَتَنْبِيهَاتٌ] عِدَّتُهَا تِسْعٌ، مُسْتَفَادَةٌ مِنَ كَلامِ أَبِي عَمْرِو ابْنِ الصَّلاحِ:

[أَحَدُهَا] الْحَسَنُ يَتَقَاصَرُ عَنِ الصَّحِيحِ فِي: أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ رُوَاتِهِ قَدْ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُمْ، وَضَبْطُهُمْ، وَإِتْقَانُهُمْ إِمَّا بِالنَّقْلِ الصَّرِيحِ، أَوْ بِطَرِيقِ الاسْتِفَاضَةِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُشْتَرَطٍ فِي الْحَسَنِ، فَإِنَّهُ يُكْتَفَى فِيهِ بِمَا سَبَقَ ذِكْرُهُ مِنْ مَجِيءِ الْحَدِيثِ مِنْ وُجُوهٍ، كما تَقَدَّمَ.

[الثَّانِي] لَعَلَّ قَائِلًا يَقُولُ: إِنَّا نَجِدُ أَحَادِيثَ مَحْكُومًا بِضَعْفِهَا، مَعَ كَوْنِهَا رُوِيَتْ مِنْ وُجُوهٍ عَدِيدَةٍ مِثْلَ حَدِيثِ: «الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ» وَنَحْوِهِ، فَهَلَّا جَعَلْتُمْ ذَلِكَ وَأَمْثَالَهُ مِنْ نَوْعِ الْحَسَنِ، لأَنَّ بَعْضَ ذَلِكَ عَضَّدَ بَعْضًا.

فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ ضَعْفٍ فِي الْحَدِيثِ يَزُولُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وُجُوهٍ، بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ، فَمَا كَانَ ضَعْفُهُ نَاشِئًا مِنْ ضَعْفِ حِفْظِ رَاوِيهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ. فَإِنَّهُ قَدْ يَنْجَبِرُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ ضَعْفُهُ مِنْ حَيْثُ الإِرْسَالُ زَالَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، كَمَا فِي الْمُرْسَلِ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ، إِذْ فِيهِ ضَعْفٌ قَلِيلٌ، يَزُولُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَمَا كَانَ ضَعْفُهُ قَوِيًّا كَالَّذِي يَنْشَأُ مِنْ كَوْنِ الرَّاوِي مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ، أَوْ كَوْنِ الْحَدِيثِ شَاذًّا، فَإِنَّ ذَلِكَ لا يَزُولُ؛ لِتَقَاصُرِ الْعَاضِدِ عَنْ جَبْرِهِ.

[الثَّالِثُ] إِذَا كَانَ رَاوِي الْحَدِيثِ مُتَأَخِّرًا عَنْ دَرَجَةِ أَهْلِ الْحِفْظِ وَالإِتْقَانِ، غَيْرَ أَنَّهُ مِنَ الْمَشْهُورِينَ بِالصِّدْقِ وَالسَّتْرِ، وَرُوِيَ حَدِيثُهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ ارتقى مِنْ دَرَجَةِ الْحَسَنِ إِلَى دَرَجَةِ الصَّحِيحِ.

مِثَالُهُ: حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: «لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ» . أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (كِتَابُ الطَّهَارَةِ / بَابُ مَا جَاءَ فِى السِّوَاكِ / ح 22) قَالَ: حَدَّثَنَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت