أَبُو كُرَيْبٍ ثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو بِهِ.
فَمُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ مِنَ الْمَشْهُورِينَ بِالصِّدْقِ وَالصِّيَانَةِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الإِتْقَانِ، حَتَّى ضَعَّفَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ جِهَةِ سُوءٍ حِفْظِهِ، وَوَثَّقَهُ بَعْضُهُمْ لِصِدْقِهِ وَجَلالَتِهِ، فَحَدِيثُهُ بِهَذَا الاعْتِبَارِ حَسَنٌ.
وَقَدْ رُوِيَ الْحَدِيثُ مِنْ وُجُوهٍ أُخْرَي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، مِنْ أَصَحِّهَا: أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ الله قَالَ: «لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلاَةٍ» . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (ح 887) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُوسُفَ، وَمُسْلِمٌ (ح 612) عَنْ قُتَيْبَةَ بْنُ سَعِيدٍ وَعَمْرٍو النَّاقِدِ وَزُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، كِلاهُمَا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بِهِ.
فَإِذْ قَدْ تُوبَعَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَلَى حَدِيثِهِ، فَقَدْ انْتَفَى مَا كَانَ يُخْشَى مِنْ سُوءِ حِفْظِهِ، بَلْ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى ضَبْطِهِ وَحِفْظِهِ لِمُوَافَقَتِهِ لأَهْلِ الْحِفْظِ والإِتْقَانِ، فَصَحَّ إِسْنَادُهُ، وَالْتَحَقَ حَدِيثُهُ بِالصَّحِيحِ.
لِذَا قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ؛ لأَنَّهُ قَدْ رُوِىَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ هَذَا الْحَدِيثُ.
[الرَّابِعُ] جَامِعُ أَبِي عِيسَى التِّرْمِذِيِّ أَصْلٌ فِي مَعْرِفَةِ الْحَدِيثِ الْحَسَنِ وَهُوَ الذى نَوَّهَ بِاسْمِهِ، وَأَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِهِ. وَيُوجَدُ فِي مُتَفَرِّقَاتٍ مِنْ كَلامِ بَعْضِ مَشَايِخِهِ وَالطَّبَقَةِ الَّتِي قَبْلَهُ، كَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَالْبُخَارِيِّ، وَغَيْرِهِمَا.
وَمِنْ مَظَانِّهِ سُنَنُ أَبِي دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيِّ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ذَكَرْتُ فِيهِ الصَّحِيحَ، وَمَا يُشْبِهُهُ، وَيُقَارِبُهُ.
وَكَذَلِكَ حَكَى الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللهِ بْنُ مَنْدَهْ أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ سَعْدٍ الْبَاوَرْدِيَّ بِمِصْرَ يَقُولُ: كَانَ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيِّ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ كُلِّ مَنْ لَمْ يُجْمَعْ عَلَى تَرْكِهِ. قَالَ ابْنُ مَنْدَهْ: وَكَذَلِكَ أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ يَأْخُذُ مَأْخَذَهُ، وَيُخْرِجُ الإِسْنَادَ الضَّعِيفَ إِذَا لَمْ يَجِدْ فِي الْبَابِ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى عِنْدَهُ مَنْ رَأْيِ الرِّجَال اهـ.
[الْخَامِسُ] مَا صَارَ إِلَيْهِ أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ صَاحِبُ «الْمَصَابِيحِ» مِنْ تَقْسِيمِ أَحَادِيثِهِ إِلَى نَوْعَيْنِ: الصِّحَاحِ وَالْحِسَانِ، مُرِيدًا بِالصِّحَاحِ مَا وَرَدَ فِي أَحَدِ الصَّحِيحَيْنِ أَوْ فِيهِمَا، وَبِالْحِسَانِ مَا أَوْرَدَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَشْبَاهُهُمَا فِي تَصَانِيفِهِمْ. فَهَذَا اصْطِلاحٌ لا يُعْرَفُ، وَلَيْسَ الْحَسَنُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ عِبَارَةً عَنْ ذَلِكَ، فَهَذِهِ التَّصَانِيفُ تَشْتَمِلُ عَلَى حَسَنٍ، وَغَيْرِ حَسَنٍ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ.
قُلْتُ: بَلْ فِيهَا كَذَلِكَ الصَّحِيحُ الْمُخَرَّجُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» ، أوْ فِي أَحَدِهِمَا.
[السَّادِسُ] كُتُبُ الْمَسَانِيدِ غَيْرُ مُلْتَحِقَةٍ بِالْكُتُبِ السِّتَّةِ الَّتِي هِيَ: الصَّحِيحَانِ، وَالسُّنَنُ الأَرْبَعَةُ فِي الاحْتِجَاجِ بِهَا، وَالرُّكُونِ إِلَى مَا يُورَدُ فِيهَا مُطْلَقًا، كَمُسْنَدِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، وَعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، وَأَبِي يَعْلَى الْمَوْصِلِيِّ، وَالْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ، وَالْبَزَّارِ، وَأَشْبَاهِهَا، فَهَذِهِ عَادَتُهُمْ فِيهَا أَنْ يُخْرِجُوا فِي مُسْنَدِ كُلِّ صَحَابِيٍّ مَا رَوَوْهُ مِنْ حَدِيثِهِ، غَيْرَ مُتَقَيِّدِينَ بِأَنْ يَكُونَ حَدِيثًا مُحْتَجًّا بِهِ. فَلِهَذَا تَأَخَّرَتْ مَرْتَبَتُهَا عَنْ مَرْتَبَةِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ وَمَا الْتَحَقَ بِهَا مِنَ الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ عَلَى الأَبْوَابِ.
[السَّابِعُ] قَوْلُهُمْ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الإِسْنَادِ، أَوْ حَسَنُ الإِسْنَادِ دُونَ قَوْلِهِمْ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَوْ حَدِيثٌ