حَسَنٌ، لأَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الإِسْنَادِ، وَلا يَصِحُّ؛ لِكَوْنِهِ شَاذًّا أَوْ مُعَلَّلًا. غَيْرَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ الْمُعْتَمَدَ مِنْهُمْ إِذَا اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: إِنَّهُ صَحِيحُ الإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ عِلَّةً، وَلَمْ يَقْدَحْ فِيهِ، فَالظَّاهِرُ مِنْهُ الْحُكْمُ لَهُ بِأَنَّهُ صَحِيحٌ فِي نَفْسِهِ؛ لأَنَّ عَدَمَ الْعِلَّةِ وَالْقَادِحِ هُوَ الأَصْلُ وَالظَّاهِرُ.
قَالَ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ: وَكَذَلِكَ عَلَى قَوْلِهِ: حَسَنُ الإِسْنَادِ، وَلَمْ يُعْقِبْهُ بِضَعْفٍ، فَهُوَ أَيْضًا مَحْكُومٌ لَهُ بِالْحُسْنِ.
وَزَادَ الْجَلالُ السُّيُوطِيُّ فِي أَلْفِيَتِهِ:
وَلِلْقَبُولِ يُطْلِقُونَ جَيِّدَا ... وَالثَّابِتَ الصَّالِحَ وَالْمُجَوَّدَا
وَهَذِهِ بَيْنَ الصَّحِّيحِ وَالْحَسَنْ .... وَقَرَّبُوا مُشَبَّهَاتٍ مِنْ حَسَنْ
يَعْنِي قَوْلُهُمْ: هَذَا حَدِيثٌ جَيِّدٌ، أَوْ صَالِحٌ، أَوْ مُجَوَّدٌ؛ مِنَ الْمُصْطَلَحَاتِ الدَّالَةِ عَلَى قَبُولِ الْحَدِيثِ، فهي قَدْ تُرَادِفُ: الْحَدِيثَ الْحَسَنِ أَوْ تُقَارِبُهُ، فَيَكُونُ صَالِحًا لِلاعْتِبَارِ، أَوِ الاحْتِجَاجِ.
[الثَّامِنُ] فِي قَوْلِ التِّرْمِذِيِّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ إِشْكَالٌ؛ لأَنَّ الْحَسَنَ قَاصِرٌ عَنِ الصَّحِيحِ، فَفِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ جَمْعٌ بَيْنَ نَفْيِ ذَلِكَ الْقُصُورِ وَإِثْبَاتِهِ.
وَجَوَابُهُ: أَنَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى الإِسْنَادِ، فَإِذَا رُوِيَ الْحَدِيثُ الْوَاحِدُ بِإِسْنَادَيْنِ: أَحَدُهُمَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ، وَالآخَرُ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ اسْتَقَامَ أَنْ يُقَالَ فِيهِ: إِنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، أَيْ إِنَّهُ حَسَنٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى إِسْنَادٍ، صَحِيحٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى إِسْنَادٍ آخَرَ. عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ أَرَادَ بِالْحُسْنِ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيَّ، وَهُوَ: مَا تَمِيلُ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَلا يَأْبَاهُ الْقَلْبُ، دُونَ الْمَعْنَى الاصْطِلاحِيِّ الَّذِي نَحْنُ بِصَدَدِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَاعْتَرَضَ التَّقِيُّ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ جَوَابَ ابْنِ الصَّلاحِ:
[فِي الأَوَّلِ] بِالأَحَادِيثِ الَّتِي قِيلَ فِيهَا: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَلَيْسَ لَهَا إِلاَّ مَخْرَجٌ وَاحِدٌ، فَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ لِلتِّرْمِذِيِّ فِي مَوَاضِعَ، كَحَدِيثِ الْعَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «إذا بَقِيَ نِصْفُ شَعْبَانَ فَلا تَصُومُوا» ، فَقَدْ قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ.
[وَفِي الثَّانِي] بِلُزُومِ أَنَّ الضَّعِيفَ وَلَوْ بَلَغَ الْوَضْعَ إِذَا حَسُنَ لَفْظُهُ أَنَّهُ حَسَنٌ، وَلا قَائِلَ بِهِ!!.
قُلْتُ: وَيُعْتَرَضُ عَلَى ابْنِ الصَّلاحِ كَذَلِكَ قَوْلُهُ: «غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ» بِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ يَعْنِي: حَسَنٌ صَحِيحٌ لَمْ يَقُلْهُ إِلاَّ التِّرْمِذِيُّ، فَكَيْفَ يَقُولُ: بَعْضُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ، وَلا قَائِلَ بِذَلِكَ غَيْرُهُ؟!. عَلَى أَنَّ التِّرْمِذِيَّ لَمْ يُرِدِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ قَطُّ، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِهِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ مِنْ كِتَابِهِ، إِذْ كُلُّ عِبَارَاتِهِ وَأَحْكَامِهِ عَلَى اصْطِلاحَاتِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَأَحْكَامِهِمْ. وكَذَلِكَ لَمْ يُرِدْهُ أَحَدٌ مِمَّنْ سَبَقَهُ مِنَ الأَئِمَّةِ، مِثْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَالْبُخَارِيِّ، وَغَيْرِهِمَا مِمَّنْ ذَكَرُوا الْحَسَنَ فِي كَلامِهِمْ.
ثُمَّ أَجَابَ التَّقِيُّ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ عَنْ هَذَا الإِشْكَالِ بِمَا حَاصِلُهُ: أنَّ الصَّحِيحَ لا يَقْصُرُ عَنْ دَرَجَةِ الْحَسَنِ، إِذْ وُجُودُ الدَّرَجَةِ الْعُلْيَا، وَهِيَ الْحِفْظُ وَالإِتْقَانِ، لا تُنَافِي الدُّنْيَا كَالصِّدْقِ، فَيَصِحُّ كَوْنُهُ حَسَنًا بِاعْتِبَارِهَا، فَكُلُّ صَحِيحٍ حَسَنٌ وَلا عَكْسَ، وَهَذَا مَوُجوٌد فِي كَلامِ الْمُتَقَدِّمِينَ.
وَتَعَقَّبَهُ الْحَافِظُ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ: بِأَنَّ الأَفْرَادَ الصَّحِيحَةَ لَيْسَتْ حَسَنَةً عَلَى رَأْيِ التِّرْمِذِيِّ؛ لاشْتِرَاطِهِ فِي الْحَسَنِ أَنْ يُرْوَى