الصفحة 33 من 33

وَالْمُعْضَلُ السَّاقِطُ مِنْهُ اثْنَانِ

«وَالْمُعْضَلُ» وَهُوَ لَقَبٌ لِنَوْعٍ خَاصٍّ مِنَ الْمُنْقَطِعِ، وَهُوَ لُغَةً بِفَتْحِ الضَّادِ مِنْ أَعْضَلَهَ فُلانٌ أَيْ أَعْيَاهُ أَمْرُهُ، فَهُوَ مُعْضَلٌ، فَكَأَنَّ الْمُحَدِّثَ الَّذِي حَدَّثَ بِهِ أَعْضَلَهُ وَأَعْيَاهُ ; حَيْثُ ضَيَّقَ الْمَجَالَ عَلَى مَنْ يُؤَدِّيهِ إِلَيْهِ، وَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَعْرِفَةِ رُوَاتِهِ بِالتَّعْدِيلِ أَوِ الْجَرْحِ، وَشَدَّدَ عَلَيْهِ الْحَالَ، وَيَكُونُ ذَاكَ الْحَدِيثُ مُعْضَلًا لَهُ لإِعْضَالِ الرَّاوِي لَهُ، فَهَذَا تَحْقِيقُهُ لُغَةً، وَبَيَانُ اسْتِعَارَتِهِ.

وَمَعْنَاهُ اصْطِلاحًا: الإِسْنَادُ «السَّاقِطُ مِنْهُ اثْنَانِ» فَصَاعِدًا مِنْ أَيْ مَوْضِعٍ , كَسَقَطِ الصَّحَابِيِّ وَالتَّابِعِيِّ , أَوْ التَّابِعِيِّ وَتَابِعِهِ , أَوْ اثْنَانَ قَبْلَهُمْا لَكِنْ بِشَرْطِ تَوَالِي السَّاقِطَيْنِ , وَإِلاَّ فَإِنْ كَانَ السَّقْطُ بِاثْنَيْنِ غَيْرِ مُتَوَالِيَيْنِ فِي مَوضِعَيْنِ فهُو الْمُنْقَطِعُ، وَكَذَا أَكْثَرُ مِنَ اثْنَيْنِ، لَكِنْ بِشَرْطِ عَدَمِ التَّوَالِي.

قَالَ السَّخَاوِيُّ: وَعُلِمَ بِهَذَا التَّعْرِيفِ أَنَّهُ أَعَمُّ مِنَ الْمُعَلَّقِ مِنْ وَجْهٍ، وَمُبَائِنٌ لِلْمَقْطُوعِ وَالْمَوْقُوفِ، وَكَذَا لِلْمُرْسَلِ وَالْمُنْقَطِعِ؛ بِالنَّظَرِ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِمْ فِيهِمَا.

وَمِثَالُهُ: مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ «الطَّبَقَاتُ» (9744) : أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ: أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يُصَافِحُ النِّسَاءَ، وَعَلَى يَدِهِ ثَوْبٌ. فَهَذَا إِسْنَادٌ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ رِجَالُ الشَّيْخَيْنِ، لَكِنَّهُ مُعْضَلٌ، وَإِبْرَاهِيمُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ النَّخَعِيُّ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ، فَأَقَلُّ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ اثْنَانِ.

وَيَدْخُلُ فِيهِ أَيْضًا قَوْلُ الرَّاوِي: بَلَغَنِي نَحْوَ قَوْلِ مَالِكٍ: بَلَغَنِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: «لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكُسْوَتُهُ » الْحَدِيثَ، وَكَذَلِكَ َقَوْلُ الْمُصَنِّفِينَ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ كَذَا وَكَذَا، وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَهَذَا كُلُّهُ مِنْ قَبِيلِ الْمُعْضَلِ.

[فَائِدَةٌ] وَمِنَ الْمُعْضَلِ قِسْمٌ ثَانِ، وَهُوَ حَذْفُ النَّبِيِّ، وَالصَّحَابِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مَعَا، وَوَقْفُ مَتْنِهِ عَلَى التَّابِعِيِّ ; كَقَوْلِ الأَعْمَشِ عَنِ الشَّعْبِيِّ: «يُقَالُ لِلرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا عَمِلْتُهُ، فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ، فَتَنْطِقُ جَوَارِحُهُ أَوْ لِسَانُهُ ; فَيَقُولُ لِجَوَارِحِهِ: أَبْعَدَكُنَّ اللهُ مَا خَاصَمْتُ إِلاَّ فِيكُنَّ» أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ.

ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَاكِمُ: أَعْضَلَهُ الأَعْمَشُ، وَهُوَ عَنِ الشَّعْبِيِّ مُتَّصِلٌ مُسْنَدٌ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحِ لِمُسْلِمٍ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ فَضَحِكَ، فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ ضَحِكْتُ؟» , قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «مِنْ مُخَاطَبَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَلَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ، فَيَقُولُ: بَلَى، قَالَ: فَإِنِّي لا أُجِيزُ الْيَوْمَ عَلَى نَفْسِي شَاهِدًا إِلاَّ مِنِّي، فَيَقُولُ: كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا، وَبِالْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ عَلَيْكَ شُهُودًا، فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ، ثُمَّ يُقَالُ لأَرْكَانِهِ: انْطِقِي، فَتَنْطِقُ بِأَعْمَالِهِ، ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلامِ، فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ، وَسُحْقًا فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُنَاضِلُ» .

قَالَ أَبُو عَمْرٍو ابْنُ الصَّلاحِ: وَهَذَا جِيدٌ حَسَنٌ؛ لِأَنَّ هَذَا الانْقِطَاعَ بِوَاحِدٍ مَضْمُومًا إِلَى الْوَقْفِ يَشْتَمِلُ عَلَى الانْقِطَاعِ بِاثْنَيْنِ: الصَّحَابِيِّ وَرَسُولِ اللهِ، فَذَلِكَ بِاسْتِحْقَاقِ اسْمِ الإِعْضَالِ أَوْلَى، وَاللهُ أَعْلَمُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت