الصفحة 32 من 33

وَاقْتَضَاهُ كَلامُ الْخَطِيبِ حَيْثُ قَالَ: وَالْمُنْقَطِعُ مِثْلُ الْمُرْسَلِ , إِلاَّ أَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ تُسْتَعْمَلُ غَالِبًا فِي رِوَايَةِ مَنْ دُونَ التَّابِعِينَ عَنِ الصَّحَابَةِ , مِثْلَ أَنْ يَرْوِيَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَوْ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَوْ شُعْبَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.

وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْمُنْقَطِعُ عِنْدِي كُلُّ مَا لَمْ يَتَّصِلْ ; سَوَاءٌ كَانَ مَعْزُوًّا إِلَى النَّبِيِّ، أَوْ إِلَى غَيْرِهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الْمَوْقُوفُ عَلَى الصَّحَابِيِّ فَمَنْ دُونَهُ أَيْضًا.

وَلا انْحِصَارَ لَهُ فِي السَّقْطِ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، بَلْ لَوْ سَقَطَ مِنْ مَكَانَيْنِ، أَوْ أَمَاكِنَ بِحَيْثُ لا يَزِيدُ كُلُّ سَقْطٍ مِنْهَا عَلَى رَاوٍ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهِ مُنْقَطِعًا، وَلا فِي الْمَرْفُوعِ، بَلْ يَدْخُلُ فِيهِ مَوْقُوفُ الصَّحَابَةِ، وَخَرَجَ بِقَيْدِ الْوَاحِدِ الْمُعْضَلُ، وَبِمَا قَبْلَ الصَّحَابِيِّ الْمُرْسَلُ.

[بَيَانٌ] قَالَ أَبُو عَمْرٍو ابْنُ الصَّلاحِ «مَعْرِفَةُ أَنْوَاعِ عُلُومِ الْحَدِيثِ» (ص 56) : وَفِي الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُرْسَلِ مَذَاهِبُ لِأَهْلِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِمْ:

فَمِنْهَا: مَا سَبَقَ فِي نَوْعِ الْمُرْسَلِ عَنِ الْحَاكِمِ فِي «مَعْرِفَةِ عُلُومِ الْحَدِيثِ» : أَنَّ الْمُرْسَلَ مَخْصُوصٌ بِالتَّابِعِيِّ، وَأَنَّ الْمُنْقَطِعَ مِنْهُ الإِسْنَادُ فِيهِ قَبْلَ الْوُصُولِ إِلَى التَّابِعِيِّ رَاوٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الَّذِي فَوْقَهُ، وَالسَّاقِطُ بَيْنَهُمَا غَيْرُ مَذْكُورٍ، لا مُعَيَّنًا وَلا مُبْهَمًا.

وَمِنْهُ: الإِسْنَادُ الَّذِي ذُكِرَ فِيهِ بَعْضُ رُوَاتِهِ بِلَفْظٍ مُبْهَمٍ نَحْوَ رَجُلٍ، أَوْ شَيْخٍ، أَوْ غَيْرِهِمَا.

فَمِنَ الأَوَّلِ: مَا رُوِّينَاهُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ زَيْدِ بْنِ يُثَيْعٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: «إِنْ وَلَّيْتُمُوهَا أَبَا بَكْرٍ فَقَوِيٌّ أَمِينٌ ... » الْحَدِيثَ.

فَهَذَا إِسْنَادٌ مُنْقَطِعٌ فِي مَوْضِعَيْنِ، لأَنَّ عَبْدَ الرَّزَّاقِ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنَ الثَّوْرِيِّ، وَإِنَّمَا سَمِعَهُ مِنَ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ الْجَنَدِيِّ عَنِ الثَّوْرِيِّ، وَلَمْ يَسْمَعْهُ الثَّوْرِيُّ أَيْضًا.

وَمِنَ الثَّانِي: مَا رُوِّينَاهُ عَنْ أَبِي الْعَلاءِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ رَجُلَيْنِ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ فِي الدُّعَاءِ فِي الصَّلاةِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمْرِ ... » الْحَدِيثَ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

وَمِنْهَا: مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَنَّ الْمُرْسَلَ مَخْصُوصٌ بِالتَّابِعِينَ، وَالْمُنْقَطِعَ شَامِلٌ لَهُ وَلِغَيْرِهِ، وَهُوَ عِنْدَهُ كُلُّ مَا لا يَتَّصِلُ إِسْنَادُهُ سَوَاءٌ كَانَ يُعْزَى إِلَى النَّبِيِّ أَوْ إِلَى غَيْرِهِ.

وَمِنْهَا: أَنَّ الْمُنْقَطِعَ مِثْلُ الْمُرْسَلِ، وَكَلاهُمَا شَامِلانِ لِكُلِّ مَا لا يَتَّصِلُ إِسْنَادُهُ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ أَقْرَبُ. صَارَ إِلَيْهِ طَوَائِفُ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ فِي «كِفَايَتِهِ» . إِلا أَنَّ أَكْثَرَ مَا يُوصَفُ بِالإِرْسَالِ مِنْ حَيْثُ الاسْتِعْمَالُ مَا رَوَاهُ التَّابِعِيُّ عَنِ النَّبِيِّ، وَأَكْثَرُ مَا يُوصَفُ بِالِانْقِطَاعِ مَا رَوَاهُ مَنْ دُونَ التَّابِعِينَ عَنِ الصَّحَابَةِ مِثْلَ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت