فهرس الكتاب
قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ (ت 96 هـ) : كَانُوا يَكْرَهُونَ غَرِيبَ الْكَلامِ، وَغَرِيبَ الْحَدِيثِ.
وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ (ت 179 هـ) : شَرُّ الْعِلْمِ الْغَرِيبُ، وَخَيْرُ الْعِلْمِ الظَّاهِرُ الَّذِي قَدْ رَوَاهُ النَّاسُ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ الْقَاضِي (ت 183 هـ) : مَنِ اتَّبَعَ غَرِيبَ الْحَدِيثِ كَذَبَ، وَمَنْ طَلَبَ الْمَاءَ بِالْكِيمِيَاءِ أَفْلَسَ، وَمَنْ طَلَبَ الدِّينَ بِالْكَلامِ تَزَنَّدَقَ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ الصَّنْعَانِيُّ (ت 211 هـ) : كُنَّا نَرَى أَنَّ غَرِيبَ الْحَدِيثِ خَيْرٌ؛ فَإِذَا هُوَ شَرٌّ.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ (241 هـ) : شَرُّ الْحَدِيثِ الْغَرَائِبُ الَّتِي لا يُعْمَلُ بِهَا، وَلا يُعْتَمَدُ عَلَيْهَا.
وَقَالَ: تَرَكُوا الْحَدِيثَ وَأَقْبَلُوا عَلَى الْغَرَائِبِ، مَا أَقَلَّ الْفِقْهَ فِيهِمْ!.
وَقَالَ: لا تَكْتُبُوا هَذِهِ الأَحَادِيثَ الْغَرَائِبَ؛ فَإِنَّهَا مَنَاكِيْرُ، وَعَامَّتَهَا عَنِ الضُّعَفَاءِ.
وَرَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي مُقَدِّمَةِ صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ قَدْ لَزِمَ أَيُّوبَ، وَسَمِعَ مِنْهُ، فَفَقَدَهُ أَيُّوبُ، فَقَالُوا: يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّهُ قَدْ لَزِمَ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ، قَالَ حَمَّادٌ: فَبَيْنَا أَنَا يَوْمًا مَعَ أَيُّوبَ وَقَدْ بَكَّرْنَا إِلَى السُّوقِ، فَاسْتَقْبَلَهُ الرَّجُلُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ أَيُّوبُ، وَسَأَلَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ أَيُّوبُ: بَلَغَنِى أَنَّكَ لَزِمْتَ ذَاكَ الرَّجُلَ - يَعْنِى عَمْرًا -، قَالَ: نَعَمْ يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّهُ يَجِيئُنَا بِأَشْيَاءَ غَرَائِبَ، قَالَ يَقُولُ لَهُ أَيُّوبُ: إِنَّمَا نَفِرُّ، أَوْ نَفْرَقُ مِنْ تِلْكَ الْغَرَائِبِ.
قُلْتُ: فَقَدْ وَضُحَ أَنَّهُمْ إِنَّمَا ذَمُّوا الْغَرَائِبَ؛ لأَنَّ أَغْلَبَ مَنْ وُصِفَ حَدِيثُهُ بِالْغَرِيبِ إِنَّمَا هُمُ الضُّعَفَاءُ وَالْمَتْرُوكُونَ، وَغَالِبَ هَذِهِ الْغَرَائِبِ أَوْهَامٌ وَأَخْطَاءٌ، فَطَلَبُ هَذِهِ الْغَرَائِبِ مِنْ قِلَّةِ الْفِقْهِ فِي الدِّينِ، وَعَدَمِ الْحِرْصِ عَلَى مَا يَنْفَعُ مِنَ الْعِلْمِ.
[تَنْبِيهٌ ثَانٍ] وَلا يُحْكَمُ بِتَضْعِيفِ مَنْ يَرْوِي الْغَرَائِبَ بِإِطْلاقٍ، بَلْ لِذَلِكَ ضَابِطٌ دَقِيقٌ.
قَالَ الشَّيْخُ الَمَعْلَمِيُّ الْيَمَانِيُّ: كَثْرَةُ الْغَرَائِبِ إِنَّمَا تَضُرُّ الرَّاوِي فِي أَحَدِ حَالَيْنِ:
(1) أَنْ تَكُونَ مَعَ غَرَابَتِهَا مُنْكَرَةً عَنْ شُيُوخِ ثِقَاتٍ بِأَسَانِيدَ جَيِّدَةٍ.
(2) أَنْ يَكُونَ مَعَ كَثْرَةِ غَرَائِبِهِ غَيْرَ مَعْرُوفٍ بِكَثْرَةِ الطَّلَبِ.
وَقَالَ أَيْضًا: وَمَنْ كَثُرَ حَدِيثُهُ لا بُدَّ أَنْ تَكُونَ عِنْدَهَ غَرَائِبُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُوجِبٍ لِلضَّعْفِ، وَإِنَّمَا الَّذِي يَضُرُّ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْغَرَائِبُ مُنْكَرَةً. وَقَدْ سُئِلَ شُعْبَةُ: مَنِ الَّذِينَ يُتْرَكُ حَدِيثُهُ؟، قَالَ: الَّذِي إذَا رَوَى عَنِ الْمَعْرُوفِينَ مَا لا يَعْرِفُهُ الْمَعْرُوفُونَ فَأَكْثَرَ، طُرِحَ حَدِيثُهُ.
وَذُكِرَ لأبِي بَكْرِ ابْنِ خُزَيْمَةَ أَحَادِيثُ رَوَاهَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ الأَرْغِيَانِيُّ عَنْ أَبِي يَحْيَى الْوَقَّارِ الْمِصْرِيِّ , فَقَالَ: قَدْ كَتَبْنَا عَنْ هَذَا الشَّيْخِ بِمِصْرَ , ثُمَّ تَرَكْتُ حَدِيثَهُ؛ لِغَلَبَةِ الْمَنَاكِيرِ عَلَيْهِ.
وَكُلُّ مَا لَمْ يَتَّصِلْ بِحَالِ ... إِسْنَادُهُ مُنْقَطِعُ الأوْصَالِ
«وَكُلُّ مَا لَمْ يَتَّصِلْ بِحَالِ» وَلَوْ سَقَطَ مِنْهُ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ هُوَ «مُنْقَطِعُ الأَوْصَالِ» فَيَدْخُلُ فِيهِ الْمُرْسَلُ، وَالْمُعْضَلُ، وَالْمُعَلَّقُ. كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَبُو عَمْرٍو ابْنُ الصَّلاحِ فِي الْمُرْسَلِ.