فهرس الكتاب
فَإِنَّهُ لَمْ يَصِحَّ إِلاَّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَوْ بَبَعْضِهِ كَحَدِيثِ زَكَاةِ الْفِطْرِ، حَيْثُ قِيلَ: إِنَّ مَالِكًا تَفَرَّدَ عَنْ سَائِرِ مَنْ رَوَاهُ مِنَ الْحُفَّاظِ بِقَوْلِهِ: «مِنَ الْمُسْلِمِينَ» ، أَوْ بِبَعْضِ السَّنَدِ كَحَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ، إِذِ الْمَحْفُوظُ فِيهِ رِوايَةُ عِيسَى بْنِ يُونُسَ وَغَيْرِهِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللهِ عَنْ عَرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي «الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ» مِنْ رِوَايَةٍ الدَّرَاوَرْدِيِّ وَعَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ كِلاهُمَا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، بِدُونِ وَاسِطَةٍ.
وَخَصَّهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ ابْنُ مَنْدَهْ بِالتَّفَرُّدِ عَنْ إِمَامٍ مِنَ الأَئِمَّةِ مِمَّنْ يُجْمَعُ حَدِيثُهُ.
قَالَ أَبُو عَمْرٍو «مَعْرِفَةُ أَنْوَاعِ عُلُومِ الْحَدِيثِ» (ص 270) : رُوِّينَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ ابْنِ مَنْدَهْ الْحَافِظِ الأَصْبَهَانِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الْغَرِيبُ مِنَ الْحَدِيثِ كَحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ وَأَشْبَاهِهِمَا مِنَ الأَئِمَّةِ مِمَّنْ يُجْمَعُ حَدِيثُهُمْ، إِذَا انْفَرَدَ الرَّجُلُ عَنْهُمْ بِالْحَدِيثِ يُسَمَّى غَرِيبًا.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْغَرَابَةَ تُجَامِعُ الصِّحَّةَ وَالضَّعْفَ، فَالْغَرِيبُ الصَّحِيحُ كَأَفْرَادِ الصَّحِيحِ، كَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ» ; فَإِنَّهُ لَمْ يَصِحَّ إِلاَّ مِنْ جِهَةِ مَالِكٍ عَنْ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فِيمَا ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الأَئِمَّةِ.
لَكِنَّ الْغَرَابَةَ فِيهِ مُنْتَقِضَةٌ بِرِوَايَةِ أَبِي مُصْعَبٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ أَبِي صَالِحٍ، وَهِيَ صَحِيحَةٌ، بَلْ وَبِطَرِيقِ عِصَامِ بْنِ رَوَّادٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَالِكٍ عَنْ رَبِيعَةَ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ، وَلَكِنَّهَا ضَعِيفَةٌ!.
وَأَمَّا الْغَرِيبُ الَّذِي لَيْسَ بِصَحِيحِ فَهُوَ الْغَالِبُ عَلَى الْغَرِيبِ.
وَقَسَّمَ الْحَاكِمُ الْغَرِيبَ إِلَى ثَلاثَةِ أَنْوَاعٍ: غَرَائِبُ الصَّحِيحِ، وَغَرَائِبُ الشُّيُوخِ، وَغَرَائِبُ الْمُتُونِ.
وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو ابْنُ الصَّلاحِ: فَمِنْهُ مَا هُوَ «غَرِيبٌ مَتْنًا وَإِسْنَادًا» ، وَهُوَ الْحَدِيثُ الَّذِي تَفَرَّدَ بِرِوَايَةِ مَتْنِهِ رَاوٍ وَاحِدٌ، وَمِنْهُ مَا هُوَ «غَرِيبٌ إِسْنَادًا لا مَتْنًا» كَالْحَدِيثِ الَّذِي مَتْنُهُ مَعْرُوفٌ مَرْوِيٌّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، إِذَا تَفَرَّدَ بَعْضُهُمْ بِرِوَايَتِهِ عَنْ صَحَابِيٍّ آخَرَ كَانَ غَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ، مَعَ أَنَّ مَتْنَهُ غَيْرُ غَرِيبٍ. وَمِنْ ذَلِكَ غَرَائِبُ الشُّيُوخِ فِي أَسَانِيدِ الْمُتُونِ الصَّحِيحَةِ، وَهَذَا الَّذِي يَقُولُ فِيهِ التِّرْمِذِيُّ: «غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ» .
قَالَ: وَلا أَرَى هَذَا النَّوْعَ يَنْعَكِسُ، فَلا يُوجَدُ إِذًا مَا هُوَ غَرِيبٌ مَتْنًا وَلَيْسَ غَرِيبًا إِسْنَادًا، إِلاَّ إِذَا اشْتَهَرَ الْحَدِيثُ الْفَرْدُ عَمَّنْ تَفَرَّدَ بِهِ، فَرَوَاهُ عَنْهُ عَدَدٌ كَثِيرُونَ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ غَرِيبًا مَشْهُورًا، وَغَرِيبًا مَتْنًا وَغَيْرَ غَرِيبٍ إِسْنَادًا، لَكِنْ بِالنَّظَرِ إِلَى أَحَدِ طَرَفَيِ الإِسْنَادِ، فَإِنَّ إِسْنَادَهُ مُتَّصِفٌ بِالْغَرَابَةِ فِي طَرَفِهِ الأَوَّلِ، مُتَّصِفٌ بِالشُّهْرَةِ فِي طَرَفِهِ الآخَرِ، كَحَدِيثِ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ، وَكَسَائِرِ الْغَرَائِبِ الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْهَا التَّصَانِيفُ الْمُشْتَهِرَةُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
هَكَذَا قَالَ ابْنُ الصَّلاحِ: إنَّهُ لا يُوجَدُ مَا هُوَ غَرِيبٌ مَتْنًا لا سَنَدًا، إِلاَّ بِالتَّأْوِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ، وَقَدْ أَطْلَقَ أَبُو الْفَتْحِ الْيَعْمَرِيُّ ذِكْرَ هَذَا النَّوْعِ فِي جُمْلَةِ أَنْوَاعِ الْغَرِيبِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِّدٍ بِآخِرِ السَّنَدِ، فَقَالَ فِي «شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ» لَهُ: الْغَرِيبُ عَلَى أَقْسَامٍ: غَرِيبٌ سَنَدًا وَمَتْنًا، وَمَتْنًا لا سَنَدًا، وَسَنَدًا لا مَتْنًا، وَغَرِيبٌ بَعْضَ السَّنَدِ فَقَطْ، وَغَرِيبٌ بَعْضَ الْمَتْنِ فَقَطْ.
[إِيْقَاظٌ وَتَنْبِيهٌ] كَثُرَتْ عِبَارَاتُ الْمُحَدِّثِينَ الَّتِي تَذُمُّ غَرَائِبَ الآثَارِ وَشَوَاذِّ الأَخْبَارِ، وَتُنَفِّرُ مِنْ تَتَبُّعِهَا وَجَمْعِهَا وَالإِكْثَارِ مِنْ رِوَايَتِهَا، وَعَدُّوا ذَلِكَ سَبَبًا لِتَرْكِ حَدِيثِ الرَّاوِي أَوْ تَضْعِيفِهِ، لأَنَّهَا مَظِنَّةُ الْخَطَأِ وَالْوَهْمِ، وَغَالِبُهَا لا يَصِحُّ، فَإِنَّ أَكْثَرَ مَا وُصِفَ بِالْغَرِيبِ قَدْ ضُعِّفَ، أَوْ أُعِلَّ.