فالحقيقة العامة تتصل بمؤلف الكتاب، فهو يعد من الكتب القليلة من التراث الإسلامى التى لم يعرف لها مؤلف، و اتضح في النهاية أن له مؤلفين، و ذلك أخذا من اختلاف أسلوب الكتاب في جانب منه عن الجانب الآخر، فهذان الجانبان يمثلان مؤلفين يختلفان في أسلوبهما، و في كيفية تناولهما الأحداث.
أما الحقيقة الخاصة فهى أن للكتاب قيمة تاريخية خاصة، و يعد بحق مصدرا من المصادر المهمة في التاريخ الإسلامى بصفة عامة، و في التأريخ للخوارج و الدولة الصفارية بصفة خاصة، و زاد من قيمة الكتاب أن مؤلفيه اعتمدا على مراجع فارسية قديمة ضاع معظمها، و بذلك جاء بمادة نادرة، هى تلك المادة التى نجدها في هذا الكتاب، و أظن أن مؤلف القسم الأول اعتمد على كتب"بهلوية"، حيث كان يعرفها، أضافت بعدا جديدا إلى قيمة هذا الكتاب من حيث كونه كتابا في تاريخ ذلك الإقليم الذى أبدى فرط اهتمامه بالتأريخ له منذ بدء الخليقة إلى العصر الذى عاش فيه. و أنه كان يحذو حذو قدماء المؤرخين الذين يستقون مادتهم التاريخية من الأساطير و الوقائع. و لا يقلل من قيمة الكتاب أن يؤرخ فيه مؤلفه معتمدا على ما يعد أسطورة، فمن المعروف أن الأسطورة تاريخ في مرحلتها الأولى، و الأسطورة اليوم كانت حقيقة في نظر القدماء.
إن المؤلف يبدو معتزا اعتزازا كبيرا ببلده سجستان، فهو يتتبع تاريخها منذ نشأتها، و لا يريد أن يترك حقيقة دون الإشارة إليها، و هو يعمد إلى التفصيل رغبة منه في التمجيد و التعظيم، لأنه يريد أن يبين أن لها سابقة في المجد قبل الإسلام، أما بعده فهو يذكر لنا الكثير من الحقائق التى تتعلق بدخول الإسلام إلى سجستان.
و ينتقل المؤلف من التاريخ إلى الجغرافيا في تفصيل، فيقف على كثير من الحقائق، و يذكر كل شى ء عنها، راغبا في أن يبين فضلها على غيرها من المدن الأخرى، و عقد مقارنات يذكر فيها أخص الخصائص من المعلومات.
اهتم المؤلف بفترة خاصة من تاريخ سجستان، و هى الفترة التى كان للخوارج فيها دولة، و ذكر عنهم معلومات قيمة و بيّن صلتهم بالخلافة الإسلامية في دمشق و بغداد. كما أرّخ لميلاد المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم) و عصره، و عصر الخلفاء الراشدين و الأمويين و العباسيين، و العلاقات القائمة بين سجستان و بين هؤلاء الخلفاء.
استفاد المؤلف من معظم المصادر التاريخية، كما استفاد من نصوص الشعر العربى و الفارسى معا، و يدعم قوله في الكثير من الأحيان بالحجة أو الدليل، خاصة أثناء سرده لسيرة المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم) فهو يذكر أحداثا يتسم معظمها بالغرابة، و هذا دليل على أنه اعتمد على مصادر مفقودة، و لكنه يكتفى بسرد الخبر و لا يتصدى لتوكيده أو تفنيده.
و أرّخ المؤلف للدويلات الفارسية التى قامت في المشرق الإسلامى، و بيّن علاقتهم بالخلفاء العرب، و تلك حقبة تاريخية في غاية الأهمية.