ص -118- ذلك لما يأتي في إيداع الصبي ماله فقال له دعه يرتع مع الدواب ثم ساقها كان مستودعا له وواضح أن سوقها ليس بشرط, نعم: يتجه ما قاله الغزالي آخرا; لأن مأخذ الفساد فيه إما كون أن أمره بالنظر لا يستلزم إيداعا وإن أجاب بنعم أو قبلت, أو أن كونه بيد المالك يمنع من استيلائه عليه. ومن ثم صور كلام البغوي بما إذا كان الوضع بين يديه بحيث يعد مستوليا عليه ثم رأيت غير واحد اعتمدوا ما اعتمدته من كلام البغوي وآخر كلام الغزالي فجزموا بأن من قال لآخر عن متاعه بمسجد, أو دار بابه مفتوح احفظه فقال: نعم, ثم خرج المالك, ثم الآخر وترك الباب مفتوحا ضمنه أي إن عد مستوليا عليه بخلاف ما لو أغلق المالك الباب. ثم قال لآخر: احفظه وانظر إليه فأهمله فسرق فلا يضمنه, ومتى رد ثم ضيع كأن ذهب وتركها ولم يكن قبضها, أو قبضها حسبة بأن صانها عن ضياع عرضت له, ولو من مالكها الرشيد فيما يظهر ويحتمل خلافه ولم يضمنها وذهابه بدونها والمالك حاضر رد ولا إثم عليه هنا مطلقا فيما يظهر خلافا لما يوهمه بعض العبارات; لأنه بعد الرد الذي علم به المالك لا ينسب إليه تقصير بوجه بخلافه فيما إذا لم يقبل ولم يقبض فإنه يأثم إن ذهب وتركها بعد غيبة المالك; لأنه غره, ولو وجد لفظ من الوديع وأعطاه من المودع كان إيداعا أيضا على الأوجه وفاقا للأذرعي والزركشي وخلافا لما يوهمه المتن وغيره فالشرط لفظ أحدهما وفعل الآخر لحصول المقصود به ويدخل ولد الوديعة تبعا لها; لأن الأصح أن الإيداع عقد لا مجرد إذن في الحفظ فلا يجب رده إلا بالطلب وقيل أمانة شرعية فيجب رده عقب علمه به فورا ويفرق بينه وبين ولد المرهونة والمؤجرة بأن تعلق الرهن, أو الإجارة به فيه إلحاق ضرر بالمالك لم يرض به بخلاف ما هنا; لأن حفظه منفعة له فهو راض به قطعا. ويأتي في التعليق هنا ما مر في الوكالة."ولو أودعه صبي", ولو مراهقا كامل العقل"أو مجنون مالا لم يقبله"أي لم يجز له قبوله; لأن فعله كالعدم"فإن قبله ضمن"هـ بأقصى القيم كما هو ظاهر إذا قبضه ولم يبرأ إلا برده لمالك أمره; لأنه كالغاصب لوضعه يده عليه بغير إذن معتبر فاندفع ما يقال فاسد الوديعة كصحيحها وما يقال أخذا من هذا يفرق بين باطل الوديعة وفاسدها, ووجه اندفاع هذا أنها حيث قبضت بإذن معتبر ففاسدها كصحيحها وحيث لا فلا فالفرق بين الباطل والفاسد هنا لا يصح بإطلاقه والكلام حيث لم يخف ضياعها فإن خافه وأخذها حسبة لم يضمن كما مر, وكذا لو أتلف نحو صبي مودع وديعته; لأن فعله لا يمكن إحباطه, وتضمينه ما لنفسه محال فتعينت براءة الوديع."ولو أودع"مالك كامل"صبيا", أو مجنونا"مالا فتلف عنده", ولو بتفريطه"لم يضمن"هـ إذ لا يصح التزامه للحفظ"وإن أتلفه"وهو متمول إذ غيره لا يضمن"ضمن"هـ"في الأصح". وإن قلنا إنه عقد; لأنه من أهل الضمان ولم يسلطه على إتلافه وبه فارق ما لو باعه شيئا وسلمه له فأتلفه لا يضمنه; لأنه سلطه عليه أما لو أودعه غير مالك, أو ناقص, فإنه يضمن بمجرد الاستيلاء التام"والمحجور عليه لسفه كالصبي"مودعا ووديعا فيما ذكر فيهما بجامع عدم الاعتداد بفعل كل, وقوله: أما السفيه المهمل فالإيداع منه وإليه كسائر تصرفاته فيصح والقن بغير إذن مالكه كالصبي فلا يضمن بالتلف وإن فرط بخلاف ما إذا أتلف فيتعلق برقبته.
ج / 3