فهرس الكتاب
ص -38- ظن الإباحة مع جعلها عوضا لتضمن جعله الإذن في قطعها كما مر وهنا إخراجها لما اقترن بنحو دهش لم يتضمن إذنا أصلا فاندفع استشكاله بأن الفعل المطابق للسؤال كالإذن لفظا وفي جميع هذه الصور لا يسقط قود اليمين إلا إن ظن القاطع الإجزاء، أو جعلها عوضا وحيث سقط قود اليسار بغير الإباحة، أو القائم مقامها وجبت ديتها وهي في ماله لا على عاقلته لتعمده. وأخذ الدية ممن قال له خذها عن اليمين عفو عن قودها ويصدق كل في علمه وظنه، لأنه لا يعلم إلا منه وفارق ما هنا إجزاء قطع اليسار عن اليمين في حد السرقة إذا أخرجها وقد دهش، أو ظن إجزاءها عن اليمين لا إذا قصد إباحتها بأن القصد من الحد التنكيل وتعطيل الآلة الباطشة وقد حصل، والقصاص مبني على المماثلة.
فصل في موجب العمد وفي العفو
وهو سنة مؤكدة وبغير مال أفضل وذلك للآيات والأحاديث منها خبر البيهقي وغيره: ما رفع إليه صلى الله عليه وسلم قصاص قط إلا أمر فيه بالعفو، بل في مسلم أنه رفع إليه قاتل أقر فقال لأخي القتيل:"اعف عنه"فأبى فقال:"اذهب به"، فلما ولى قال:"إن قتله فهو في النار"، أي لمخالفته الأمر، لأن هذا الإباء فيه إشعار بالإخلال بمزيد احترامه صلى الله عليه وسلم، أو بنفاق ذلك الأخ فإن قلت فكيف أقره على محرم؟ قلت: المحرم الإباء، ولم يقره عليه وأما القود إذا صمم عليه فهو واجب فالحيثية مختلفة.
"موجب"بفتح الجيم"العمد"المضمون في نفس، أو غيرها"القود"بعينه، وهو بفتح الواو القصاص سمي به، لأنهم يقودون الجاني بحبل أو نحوه"والدية"في النفس وأرش غيرها"بدل"عنه عندهما كالدارمي واعترض بأن قضية كلام الشافعي والأصحاب وصرح به الماوردي في قود النفس أنها بذل ما جنى عليه وإلا لزم المرأة بقتلها الرجل دية امرأة وليس كذلك. ا هـ ويجاب بأن الخلاف في ذلك لفظي لاتفاقهم على أن الواجب هو دية المقتول فلم يبق لذلك الخلاف كبير فائدة وقد يوجه الأول بأن القود لما وجب عينا كان كحياة نفس القتيل فكان أخذ الدية في الحقيقة بدلا عنه لا عنها، ولا يلزم عليه ما ذكر لما تقرر أنه كحياة القتيل فتأمله ثم رأيت شيخنا أجاب بنحو ذلك"عند سقوطه"بنحو موت أو عفو عنه عليها"وفي قول"موجبه"أحدهما مبهما"مراده قول أصله لا بعينه الظاهر في أن الواجب هو القدر المشترك بينهما في ضمن أي معين منهما وخبر الصحيحين:"من قتل له قتيل فهو بخير الأمرين إما أن يودي وإما أن يقاد"ظاهر في هذا القول ومن ثم صححه المصنف في بعض كتبه وقد يتعين القود ولا دية كما مر في قتل مرتد مرتدا وفيما لو استوفى ما يقابل الدية، ولم يبق له إلا جز الرقبة وقد تتعين الدية كما في قتل الوالد لولده والمسلم لذمي وقد لا يجب إلا التعزير والكفارة كما في قتل قنه.
فائدة: روى البيهقي عن مجاهد وغيره أن شريعة موسى صلى الله عليه وسلم تحتم القود وعيسى صلى الله عليه وسلم تحتم الدية فخفف الله تعالى عن هذه الأمة وخيرهم بينهما.
ج / 4