فهرس الكتاب

الصفحة 1765 من 2116

ص -181- كتاب السير

جمع سيرة وهي الطريقة، والمقصود منها هنا أصالة الجهاد، وإن جزم الزركشي بأن وجوبه وجوب الوسائل لا المقاصد، إذ المقصود منه الهداية، ومن ثم لو أمكنت بإقامة الدليل كانت أولى منه، وقوله: الهداية لا يرد عليه أنهم لو بذلوا الجزية لزم قبولها، لأن هذا خاص بمن يقبل منه على أن هدايتهم لا سيما على العموم بمجرد إقامة الدليل نادرة جدا، بل محال عادة فلم ينظروا إليها وكأن الجهاد مقصود لا وسيلة، كما هو ظاهر كلامهم وترجمه بذلك لاشتماله على الجهاد، وما يتعلق به الملتقى تفصيل أحكامه من سيرته صلى الله عليه وسلم في غزواته. وهي سبع وعشرون غزوة قاتل في ثمان منها بنفسه: بدر وأحد والمريسيع والخندق وقريظة وخيبر وحنين والطائف، وبعث صلى الله عليه وسلم سبعا وأربعين سرية، وهي: من مائة إلى خمسمائة فما زاد منسر بنون فسين مهملة إلى ثمانمائة، فما زاد جيش إلى أربعة آلاف، فما زاد جحفل، والخميس الجيش العظيم وفرقة السرية سمي بعثا، والكتيبة ما اجتمع ولم ينتشر وكان أول بعوثه صلى الله عليه وسلم على رأس سبعة أشهر في رمضان، وقيل: في شهر ربيع الأول سنة ثنتين من الهجرة. والأصل فيه الآيات الكثيرة والأحاديث الصحيحة الشهيرة، وأخذ منها ابن أبي عصرون أنه أفضل الأعمال بعد الإيمان، واختاره الأذرعي وذكر أحاديث صحيحة مصرحة بذلك أولها الأكثرون بحملها على خصوص السائل أو المخاطب أو الزمن.

"كان الجهاد في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم"قبل الهجرة ممتنعا، لأن الذي أمر به صلى الله عليه وسلم أول الأمر هو التبليغ والإنذار والصبر على أذى الكفار تألفا لهم، ثم بعدها أذن الله تعالى للمسلمين في القتال بعد أن نهى عنه في نيف وسبعين آية إذا ابتدأهم الكفار به فقال: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} [البقرة: 190] وصح عن الزهري أول آية نزلت في الإذن فيه: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} [الحج: 39] ، أي: أذن لهم في القتال بدليل يقاتلون، ثم أباح الابتداء به في غير الأشهر الحرم بقوله: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ} [التوبة: 5] الآية، ثم في السنة الثامنة بعد الفتح أمر به على الإطلاق بقوله: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} [التوبة: 41] {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً} [التوبة: 36] ، وهذه هي آية السيف، وقيل: التي قبلها، وقيل: هما إذا تقرر ذلك فهو من حين الهجرة كان"فرض كفاية"، لكن على التفصيل المذكور إجماعا بالنسبة لفرضيته، ولأنه تعالى فاضل بين المجاهدين والقاعدين، ووعد كلا الحسنى بقوله: {لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ} [النساء: 95] الآية، والعاصي لا يوعد بها ولا يفاضل بين مأجور ومأزور.

تنبيه: ما حملت عليه إطلاقه هو الوجه الذي دل عليه النقل، وأما ما اقتضاه صنيع شيخنا في شرح منهجه أنه من حين الهجرة كان يجب كل سنة فبعيد مخالف لكلامهم.

ج / 4

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت