ص -44- قلتين فإن ضاق الوقت عن الاجتهاد تيمم بعد تلفهما، وجوازا إن وجد طاهرا أو طهورا بيقين وزعم بعض الشراح وجوبه هنا أيضا مستدلا بأن كلا من خصال المخير يصدق عليه أنه واجب ليس في محله؛ لأن ما هنا ليس كذلك إذ خصال المخير انحصرت بالنص، وهي مقصودة لذاتها والاجتهاد وسيلة للعلم بالطاهر فإن لم يجد غير المشتبهين تعينت كسائر طرق التحصيل وإن وجد غيرهما لم تنحصر الوسيلة في هذا بل لا يصدق عليه حد الوسيلة حينئذ فلم يجب أصلا. فتأمله"وتطهر بما ظن"بالاجتهاد مع ظهور الأمارة"طهارته"منهما فلا يجوز الهجوم من غير اجتهاد ولا اعتماد ما وقع في نفسه من غير إمارة فإن فعل لم يصح طهره، وإن بان أن ما استعمله هو الطهور كما لو اجتهد وتطهر بما ظن طهارته، ثم بان خلافه لما هو مقرر أن العبرة في العبادات بما في نفس الأمر، وظن المكلف وسيأتي أنهم أعرضوا في هذا الباب عن أصل طهارة الماء فيؤخذ منه أن ما ظن طهارته باجتهاده لا يجوز لغيره استعماله إلا إن اجتهد فيه بشرطه وظن ذلك أيضا، وظاهر أن للمجتهد تطهير نحو حليلته المجنونة به أو غير مميزة للطواف به أيضا"وقيل إن قدر على طاهر"أي طهور آخر غير المشتبهين كما أفاده كلامه خلافا لمن اعترضه"بيقين فلا"يجوز له الاجتهاد في الإناءين كالقبلة، ورد بأنها في جهة واحدة فطلبها من غيرها عبث بخلاف الماء ونحوه. ومن ثم لو قدر على طهور بيقين كماء نازل من السماء جاز له تركه والتطهر بالمظنون، وقد كان بعض الصحابة يسمع من بعض مع قدرته على السماع من النبي صلى الله عليه وسلم ومع ذلك المقتضى لشذوذ هذا الوجه لا يبعد ندب رعايته، ثم رأيته مصرحا به"والأعمى كبصير"فيما مر فيه. فلا يرد عليه أن له التقليد أي ولو لأعمى أقوى منه إدراكا كما هو ظاهر إذا تحير بخلاف البصير"في الأظهر"لقدرته على إدراك النجس بنحو لمس وشم وذوق وحرمة ذوق النجاسة مختصة بغير المشتبه، وإنما جاز له في المواقيت التقليد ابتداء؛ لأن إدراكه له أعسر منه هنا فإن فقد تلك الحواس لم يجتهد جزما، ويتيمم فيما إذا تحير وفقد من يقلده ولو لاختلاف بصيرين عليه لم يترجح أحدهما عنده، ويظهر ضبط فقد المقلد بأن يجد مشقة في الذهاب إليه كمشقة الذهاب للجمعة فإن كان بمحل يلزمه قصده لها لو أقيمت فيه لزمه قصده لسؤاله هنا وإلا فلا،"أو"اشتبه"ماء وبول"لنحو انقطاع ريحه"لم يجتهد"فيهما"على الصحيح"؛ لأن البول لا أصل له في التطهير يرد بالاجتهاد إليه. ولا نظر لأصله لاستحالته إلى حقيقة أخرى مغايرة للماء اسما وطبعا بخلاف الماء المتنجس فاندفع تفسير الزركشي له بإمكان رده للطهارة بوجه وهو في الماء ممكن بمكاثرته دون البول انتهى على أن فيه غفلة عن قولهم لو كان مع جمع ماء كثير لا يكفيهم إلا ببول يستهلك فيه ولا يغيره لاستهلاكه به لزمهم خلطه به قيل له الاجتهاد هنا لشرب ما يظن طهارته وهو غفلة عما يأتي في نحو خمر وخل ولبن أتان ولبن مأكول"بل"هنا وفيما يأتي انتقالية لا إبطالية كما هو الأكثر فيها، ومن ثم قال جمع محققون لم يقع الثاني في القرآن؛ لأنه في الإثبات إنما يكون من باب الغلط فزعم ابن هشام أن هذا وهم غير صحيح"يخلطان"عطف على جملة لم يجتهد أو يصبان أو يصب من أحدهما في الآخر، واحتمال أنه صب من الطاهر فهو باق على طاهريته ليس أولى من ضده فلم ينظر إليه على
ج /1