فهرس الكتاب
ص -53- تنبيه: وقع بموسم سنة ثمان وخمسين ضحى يوم النحر فتنة عظيمة بين أمراء الحاج وأمير مكة ثم تزايدت واشتد الخوف حتى رحل أكثر الحجاج والمكيين ليلة القر وصبيحته ووقع النهب الفظيع ولم يزل الخوف يشتد حتى نفر من بقي مع الأمراء من الحجيج قبل زوال يوم النفر الأول وأراد بعض أكابر الحجاج أن يعود لمنى قبل فوات وقت الرمي مع جند من صاحب مكة فتعذر عليه ذلك لتمرد الأعراب وانتشارهم كالجراد وحينئذ اختلف المفتون في لزوم الدم. وظاهر كلامهم لزومه كما بينته مع الميل إلى عدمه وبيان مستنده في إفتاء مبسوط مسطر في الفتاوى ومن ذلك المستند أن ما ذكروه من الأعذار بعضه لا يمنع فعله بالنفس وبعضه لا يمنع الاستنابة فلزم الدم لإمكان الفعل وأما هذا العذر فمانع للفعل بالنفس والنائب؛ لأن كل واحد حتى الفقراء المتجردين صار خائفا على نفسه فلم يكن فيه تقصير ألبتة وأن كلام شارح يفيد ذلك وأن ما ذكروه في الإحصار لا ينافي ذلك؛ لأن المبيت ثم يجب فيه دم مع العذر كما يأتي فالرمي أولى قيل وقع نظير ذلك وأن علماء مصر ومكة اختلفوا في الدم فأفتى بعدمه المصريون كشيخنا ومعاصريه وبوجوبه المكيون.
"فإذا رمى اليوم الثاني فأراد النفر"أي: التحرك للذهاب إذ حقيقة النفر الانزعاج فيشمل من أخذ في شغل الارتحال ويوافق الأصح في أصل الروضة أن غروبها، وهو في شغل الارتحال لا يلزمه المبيت، وإن اعترضه كثيرون"قبل غروب الشمس"يؤخذ من قوله أراد أنه لا بد من نية النفر مقارنة له وإلا لم يعتد بخروجه فيلزمه العود؛ لأن الأصل وجوب مبيت ورمي الكل ما لم يتعجل عنه ولا يسمى متعجلا إلا من أراد ذلك. ثم رأيت الزركشي قال لا بد من نية النفر ا هـ، ويوجه بما ذكرته"جاز"إن كان بات الليلتين قبله، أو تركهما للعذر"وسقط مبيت الليلة الثالثة ورمي يومها"ولا دم عليه لقوله تعالى {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 203] والأصل فيما لا إثم فيه عدم الدم لكن التأخير أفضل لا سيما للإمام إلا لعذر كخوف، أو غلاء وذلك للاتباع بل في المجموع عن الماوردي ما يقتضي حرمته عليه أما إذا لم يبتهما ولا عذر له أو نفر قبل الزوال، أو بعده وقبل الرمي فلا يجوز له النفر ولا يسقط عنه مبيت الثالثة ولا رمي يومها على المعتمد نعم ينفعه في غير الأولى العود قبل الغروب فيرمي وينفر حينئذ وبحث الإسنوي طرد ما ذكر في الأولى في الرمي فمن تركه لا لعذر امتنع عليه النفر، أو لعذر يمكن معه تداركه ولو بالنائب فكذلك، أو لا يمكن جاز"فإن لم ينفر"بضم فائه وكسرها"حتى غربت"الشمس"وجب مبيتها ورمي الغد"كما صح عن ابن عمر رضي الله عنهما. ولو نفر لعذر، أو غيره بعد الرمي قبل الغروب وليس في عزمه العود للمبيت ثم عاد لها قبله أو بعده لم يلزمه المبيت ولا الرمي إن بات ووقع في كلام الغزي هنا ما لا يصح فاحذره أما إذا كان في عزمه ذلك فيلزمه العود ولم تنفعه نية النفر؛ لأنه مع عزمه العود لا يسمى نفرا"ويدخل رمي"كل يوم من أيام"التشريق"، وهي ثلاثة بعد يوم النحر سميت بذلك لإشراق نهارها بنور الشمس وليلها بنور القمر وحكمة التسمية لا يلزم اطرادها، أو؛ لأنهم يشرقون اللحم فيها أي: يقددونه، وهي المعدودات في الآية لقلتها والمعلومات عشر ذي الحجة"بزوال الشمس"من ذلك اليوم للاتباع ويستحب
ج / 2