فهرس الكتاب
ص -12-"المان"من المنة وهي النعمة مطلقا أو بقيد كونها ثقيلة مبتدأة من غير مقابل يوجبها فنعمه تعالى من محض فضله إذ لا يجب لأحد عليه شيء خلافا لزعم المعتزلة وجوب الأصلح عليه تعالى الله عن ذلك"باللطف"وهو ما يقع به صلاح العبد آخره ويساويه التوفيق الذي هو خلق قدرة الطاعة في العبد ماصدقا لا مفهوما ولعزته لم يذكر في القرآن إلا مرة في هود وليس منه إلا إحسانا وتوفيقا يوفق الله بينهما لأنهما من الوفاق الذي هو ضد الخلاف وقد يطلق التوفيق على أخص من ذلك. ومن ثم قال المتكلمون اللطف ما يحمل المكلف على الطاعة ثم إن حمل على فعل المطلوب سمي توفيقا أو ترك القبيح سمي عصمة، وصرح أهل السنة في بحث خلق الأفعال بأن لله تعالى لطفا لو فعله بالكفار لآمنوا اختيارا غير أنه لم يفعله وهو في فعله متفضل وفي تركه عادل"والإرشاد"أي الدلالة على سبيل الخير أو الإيصال إليها.
"الهادي"أي الدال أو الموصل"إلى سبيل"أي طريق"الرشاد". وهو كالرشد ضد الغي ومن أعظم طرقه وأفضلها التفقه فلذا أعقبه بقوله"الموفق"أي المقدر وهو جري على من يجيز غير التوقيفية إذا لو يوهم نقصا"للتفقه"أي التفهم وأخذ الفقه تدريجا وهو أعني الفقه لغة الفهم من فقه بكسر عينه فإن صار الفقه سجية له قيل فقه بضمها، واصطلاحا العلم بالأحكام الشرعية العملية الناشئة عن الاجتهاد وموضوعه فعل المكلف من حيث تعاور تلك الأحكام عليه واستمداده من الأدلة المجمع عليها الكتاب والسنة والإجماع والقياس والمختلف فيها كالاستصحاب ومسائله كل مطلوب خبري يبرهن عليه في العلم وفائدته امتثال الأوامر واجتناب النواهي وغايته انتظام أمر المعاش والمعاد مع الفوز بكل خير دنيوي وأخروي"في الدين"وهو عرفا وضع إلهي. سائق لذوي العقول باختيارهم المحمود إلى ما هو خير لهم بالذات، وقد يفسر بما شرع من الأحكام ويساويه الملة ماصدقا كالشريعة لأنها من حيث إنها يدان أي يخضع لها تسمى دينا ومن حيث إنها يجتمع عليها وتملى أحكامها تسمى ملة ومن حيث إنها تقصد لإنقاذ النفوس من مهلكاتها تسمى شريعة"من"مفعول أول للموفق المتعدي للثاني باللام"لطف به"أي أراد له الخير وسهله عليه لكونه من عليه بفهم تام ومعلم ناصح وشدة الاعتناء بالطلب ودوامه"واختاره"أي انتقاه للطفه وتوفيقه"من العباد"يصح أن يكون بيانا لمن فأل فيه للعهد والمعهود {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر:42] ، وشاهد ذلك الحديث الصحيح من يرد الله به خيرا أي عظيما يفقهه في الدين وفي رواية ويلهمه رشده ومفعولا ثانيا لاختار فأل فيه للجنس والعبد لغة الإنسان واصطلاحا المكلف ولو ملكا أو جنيا.
"أحمده"أي أصفه بجميع صفاته إذ كل منها جميل ورعاية جميعها أبلغ في التعظيم ومع هذا التحقيق أن الحمد الأول أبلغ وأفضل ومن ثم قدم. بل أخذ البلقيني من إيثار القرآن الحمد لله رب العالمين بالابتداء به أنه أبلغ صيغ الحمد وجمع بينهما تأسيا بحديث إن الحمد لله نحمده وليجمع بين ما يدل على دوامه واستمراره، وهو الأول وعلى تجدده وحدوثه وهو الثاني"أبلغ حمد"أي أنهاه من حيث الإجمال لا التفصيل لعجز الخلق عنه
ج /1