فهرس الكتاب
إلا حادثة، فلو تركب الكلام منها لكان حادثا ضرورة أن المركب من الحوادث حادث، وذهب الحشوية المنتمون إلى الظاهر إلى أن كلام البارئ تعالى القائم بذاته حروف وأصوات، ومع كونه حروفا وأصواتا هو قديم أزلي، وهؤلاء أصحاب غاية في الضلالة، وتورط في بحبوحة الجهالة، فإن من سواهم من أهل البدع ربما تعنّ لهم شبهة مخيلة لا تهدم من أوّل مرّة بالضروريات. أما هؤلاء فلم يراعوا ضروريات العقول، ولا وقفوا من أول مرة عند شيء منها نعوذ بالله من الخذلان كاعتقادهم أن البارئ تعالى جسم مستو على العرش بالمماسة والاستقرار، ثم ينتقل كل ّ ليلة جمعة عند ما يبقى ثلث الليل وينزل عن مكانه إلى السماء. ثم يعود عند الفجر إلى مكانه، وهم على صنفين: صنف منهم قالوا بتحيزه وتصوّره وتشكله على شكل الإنسان، وهؤلاء مساوون لليهود في هذا الاعتقاد، وصنف آخر منهم قالوا بتحيزه من غير شكل ولا جارحة. ثم اتفقوا على أن كلامه سبحانه قديم: حروف وأصوات متقطعة يتكلم بما شاء منها باللسان العربي والعجمي وضروب الألسنة الموضوعة لأهل الأرض، فيقولون أنه ينطق بالباء والميم وسائر الحروف لا على مخارج الحروف، والذين قالوا بأنه على شكل الإنسان، قالوا إنه يتكلم بالحروف على مخارجها وجملتها قديمة، وهو ينظمها كيف يشاء وعلى أي ّ لغة يشاء، وكيف تدخل المشيئة القديم لولا أن الله يسلب
لقوله ويتجدّد لاحقها، وقوله: أو طرأ على وجوده العدم راجع لقوله ينعدم سابقها فهو لف ونشر مشوّش (قوله فلو تركب الخ) مرتبط بمحذوف: أي وإذا ثبت ما ذكرناه من الدليل صح ما ذكرناه من الشرطية القائلة لو تركب الكلام منها لكان حادثا (قوله المنتمون الخ) فهم من الظاهرية الذين يتمسكون بالظواهر نحو الرحمن على العرش استوى (قوله أصحاب غاية الخ) لجمعهم بين النقيضين لأن مقتضى كونه حروفا وأصواتا حادثة أن يكون غير قديم وهذا مناقض لقدمه وأزليته (قوله وتورط الخ) التورط الوقوع في الشيء بحيث يعسر الخلاص منه وبحبوبة الشيء وسطه: أي وأصحاب وقوع في وسط الجهل، فقد شبه الجهالة بمكان متسع وأثبت للمشبه شيئا من لوازم المشبه به على طريق الاستعارة بالكناية (قوله تعن ّ) بفتح أوله وكسر ثانيه: أي تعرض وتظهر (قوله شبهة) هي ما يظن ّ دليلا وليس بدليل (قوله مخيلة) بضم أوله وفتح ثانيه وكسر ثالثه المشدد: أي موقعة للدعوى التي يدعونها في الخيال (قوله لا تهدم الخ) بل تهدم بالنظريات لكونها شبهة قوية. وأما هؤلاء فشبهتهم تهدم بالضروريات لضعفها (قوله ضروريات العقول) أي القضايا الضرورية التي يحكم بها العقل بمجرد توجهه إليها نحو الجمع بين النقيضين محال (قوله كاعتقادهم) في بعض النسخ فاعتقادهم: أي إن أردت بيان اعتقادهم فاعتقادهم الخ (قوله عند ما يبقى) ما مصدرية (قوله وهم الخ) هذا تعرض لما للحشوية على سبيل التفصيل (قوله بتحيزه) أي أخذه قدرا من الفراغ (قوله وتشكله) عطف تفسير (قوله وضروب الألسنة) أي أنواع اللغات، وهذا عين ما قبله لأن المراد بالعجمي ما عدا العربي (قوله وكيف الخ) يعني أنه إذا كان كلامه مركبا من حروف كان حادثا لا قديما، وكيف قديما والمشيئة لا تتعلق بالقديم (قوله لولا الخ) جواب لولا محذوف: