فهرس الكتاب

الصفحة 263 من 517

عقل التمييز لمن يشاء، وهو عندهم يتكلم إذا يشاء ويسكت إذا يشاء، فاذا سكت لا ينعدم كلامه ولكنه صمت وأكنه، تعالى الله عن قولهم، ومن شنيع مذهبهم أن القارئ إذا قرأ من كتاب الله تعالى آية، فالذي يسمع منه هو الكلام القائم بالله سبحانه، وقد وجد في محل هذا القارئ ولم ينتقل عن ذات الاله، وزعموا أن حروف المصحف عين كلام الله تعالى من غير أن ينتقل أيضا عن ذاته، وهذا قول النصارى بتدرع عيسى عليه السلام بالصفة الأزلية التي هي العلم من غير أن تفارق الاله. ولكن النصارى خصصوا بذلك واحدا من الخلق وهو عيسى عليه السلام، وهؤلاء حكموا بذلك في حق كل قارئ يتلو آية من كتاب الله، والحكم بقدم حروف وأصوات تتجدد والعدم سابق لها ولا حق، وكون الشيء الواحد يحل ّ محلين خروج عن دائرة العقل وجحد للضروريات، وكيف يوسم بالعقل من يقول: إن الحروف إذا صيغت من زبر الحديد حتى يفهم منها آيات من كتاب الله تعالى فهي بأعيانها عين كلام الله تعالى، وكانت إذ كانت زبرا حادثة، فلما صارت حروفا انقلبت قديمة، وأطلقت طائفة منهم القول بأن الحروف المكتوبة الدالة على اسم الله تعالى هي الله المعبود بحق، وإن كتبت في أماكن فهو واحد في أماكن. قال أبو حامد: ويلزمهم أن يحرق ما يكتب فيه اسم النار، والقوم مبتلون بعظيم الغباوة. قال ابن دهاق: وهذه الطائفة أجهل الناس في طريق النظريات، وأكثر خلق الله جمودا على الحسيات، حتى جملهم ذلك على انكار وجوب

أي ما نطقوا بهذه الدعوى (قوله عقل التمييز) من إضافة السبب للمسبب (قوله صمت) أي سكت (قوله وأكنه) أي ستره وأخفاه، والسكوت لم ينعدم عنده الكلام حتى يكون حادثا بل هو كامن (قوله وقد وجد) أي ما سمع في محل القارئ: أي في محل القارئ فالصفة ثبت لها محلان (قوله ولم ينتقل الخ) أي كما أن ما سمع من القارئ لم ينتقل عن ذات الله (قوله قول النصارى) أي كقولهم (قوله بتدرّع عيسى) أي اتصاف عيسى مأخوذ من تدرّع: أي لبس الدرع، فاطلاق التدرّع على الاتصاف مجاز (قوله ولكن النصارى الخ) زيادة في التشنيع عليهم (قوله في حق كل ّ قارئ) لا مفهوم لذلك، بل وكذا كل ّ مصحف وكاغد (قوله عن دائرة العقل) أي عن الأحكام التي يدور: أي يجول فيها العقل (قوله يوسم) أي يوصف ... (قوله من زبر الحديد) بأن يؤتي بالحديد بعد إذابته، ويوضع في القالب المنقوش فيه الآية، ومثل زبر الحديد قطع الطين والحجارة (قوله عين كلام الله) أي القائم بذاته (قوله وكانت) أي الحروف (قوله زبرا) أي قطعا (قوله فلما الخ) لا يخلو هذا عن تجوّز: أي فلما انتظمت وفهم منها بعض من كتاب الله (قوله الدالة الخ) وهي حروف الجلالة (قوله وإن كتبت) أي وقالوا إن كتبت وهو عطف على أطلقت (قوله أبو حامد) أي الاسفرائيني لا الغزالي (قوله ويلزمهم الخ) لأن الاسم عندهم عين المسمى، ويلزمهم أيضا بل ّ ما يكتب فيه اسم الماء (قوله والقوم الخ) من كلام أبي حامد (قوله بعظيم الغباوة) من اضافة الصفة (قوله في طريق النظريات) في بمعنى الباء والاضافة بيانية: أي أنهم لا يدركون الأمور النظرية فهم أجهل الناس بها، ويحتمل أن المراد بطريق النظريات الأدلة الموصلة لها فالإضافة حقيقية (قوله جمودا) أي اقتصارا على

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت