وهي حال لا يختلف معقولها باختلاف الحقائق والتكليف لم يتوجه بطلب تلك الحال بل بخصوصيات وباعتبارها حسنت الأفعال وقبحت، وعلى تلك الخصوصية ورد المدح والذم فما توجه به التكليف غير مقدور للعبد عندهم، والذي يقدر عليه لم يتوجه به التكليف بخلاف ما ذهب إليه القاضي فكان ما صار إليه مطابقا للقضايا العقلية والشرعية معا. قال شرف الدين بن التلمساني: وما ذكروه وإن كان فيه خروج عن تشنيعات المعتزلة وعن إلزام التكليف بالمحال بتقدير أن لا يكون لقدرة العبد
حقيقته وأوصافه النفسية ومن جملتها أخص الأوصاف ثابتة له متقررة في حال عدمه والوجود عندهم زائد على الماهية مشترك بالاشتراك المعنوي لأنه عبارة عن إظهار المعدوم وإبرازه، فالصلاة مثلا الواقعة من زيد كانت ثابتة ومتقررة في حال عدمها ولكنها كانت مستورة والشخص إنما تعلقت قدرته بإظهارها، وكذا ذات زيد كانت متقررة وثابتة في نفس الأمر بلحمه وعظمه قبل ولادته وكانت مخبأة مستورة تشبه ثوبا في صندوق، والمولى إنما أثر فيها بقدرته الوجود فقط: أي أظهرها وأبرزها لخارج الأعيان فلم يصفوا الرب بالاقتدار على خلق الذات، وإنما أثر القادرية عندهم إخراج الذوات إلى الوجود، فعلى كلامهم يكون المكلف به هو الوجود لأنه متعلق القدرة ويرد عليهم أنه لو توجه التكليف كما يقولون بطلب الوجود للزم الطلب بكل ما يقبل الوجود فيكلف إذن بكل فعل وهو باطل فالتكليف إذن إنما هو بالخصوصيات فلم يؤمر بالصلاة مثلا من حيث إمكانها، وإلا لكان الأمر بها أمرا بكل ممكن ولا من حيث كونها حركات وسكنات وإلا لكان الأمر بها أمرا بكل حركة وسكون وإنما أمر بها من حيث كونها صلاة وهو أخص أوصافها (قوله وهي) الضمير للوجود وأنث مراعاة للخير أو نظرا لكونه صفة (قوله لا يختلف معقولها) أي لا يختلف معناها وهو إبراز المعدوم واظهاره لخارج العيان (قوله باختلاف الحقائق) أي باختلاف أفرادها (قوله والتكليف لم يتوجه بطلب تلك الحال) أي التي هي الوجود لئلا يلزم التكليف بكل ما يقبل الوجود فيكلف إذن بكل فعل وهو باطل (قوله وباعتبارها الخ) فالفعل من حيث كونه صلاة مثلا حسن، ومن حيث كونه زنى مثلا قبيح (قوله غير مقدور للعبد) لأن الخصوصية ثابتة مع الحقيقة في حالة العدم (قوله والذي يقدر عليه) أي وهو الوجود (قوله لم يتوجه به التكليف) لأن الشخص ليس مكلفا بمطلق حركة بل بقيد كونها زكاة أو صلاة مثلا: أي والشأن أن يقع التكليف بالمقدور (قوله بخلاف ما ذهب إليه القاضي) أي فإن الخصوصيات عنده مقدورة للعبد لأنه لا يقول بشيئية المعدوم، وحينئذ فيصح التكليف بها (قوله فكان ما صار إليه مطابقا للقضايا العقلية والشرعية معا) أما العقلية فلأنه أسند وجود الحركة واختراعها لله إذ هو العالم بها من كل وجه، وبذلك يصح تخصيصها وإيجادها، وأما الشرعية فلأنه أسند الخصوصية للعبد، فيصح التكليف الوارد في الشرع بها بخلاف المعتزلة فإنهم لم يوافقوا العقل ولا الشرع لأن ما توجه به التكليف ليس مقدورا وما هو مقدور لم يتوجه به التكليف هذا ومع كون هذا القول مطابقا لما ذكر سيأتي ردّه (قوله وما ذكروه) أي القاضي وأتباعه كالأستاذ (قوله عن تشنيعات المعتزلة) أي التشنيعات الواقعة منهم على الأشاعرة، وقوله: وعن إلزام الخ: أي اللازم للأشاعرة (قوله بتقدير) متعلق بتشنيعات