فهرس الكتاب
من ثواب أو عقاب أو غيرهما صح جعله مجردا عن غيره أو جعل غيره في مكانه أمارة على ذلك، لأن الدلالة في ذلك جعلية لا عقلية (قوله: فبطل إذن مذهب الجبرية الخ) مسبب عما سبق قبل من دليلي اثبات القدرة الحادثة وابطال تأثيرها في مقدورها، وقد أعاد الدليلين هنا على سبيل الاجمال، فقوله: لما فيه من جحد الضرورة: أي الضرورة التي تقدمت في الفرق بين حركة الاضطرار والاكتساب، وقوله: وابطال مخفوض بالعطف على جحد: يعني أنه لو لم يكن في مذهب الجبرية إلا ثبوت جهل بأمر يدرك ضرورة من غير مصادمة للشريعة لكان أمره سهلا إذ غاية ما يلزم فيه التناهي في الغباوة وضعف العقل، كيف
والارادة (قوله من ثواب الخ) فجعل فعل الواجب والمندوب والكف عن الحرام والمكروه بنية الامتثال علامة على الثواب وجعل فعل الحرام والكف عن الواجب علامة على العقاب وجعل فعل المباح والمكروه والكف عن الحرام والمكروه لا بنية الامتثال علامة على عدم الثواب والعقاب إذ لا ثواب ولا عقاب فيما ذكر فقوله أو غيرهما: أي غير الثواب والعقاب، والمراد بغيرهما عدمهما أو المدح والذم (قوله صح جعله) أي بعض الأفعال أمارة على ما شاء من ثواب أو عقاب حال كون بعض الأفعال المذكور مجردا عن غيره: أي عن مقارنة غيره وذلك كالأفعال الاضطرارية فللمولى أن يجعلها أمارة على ما شاء من ثواب أو عقاب (قوله أو جعل غيره) أي غير الفعل كالألوان مثل البياض والسواد وكالمقادير مثل الطول والقصر فللمولى أن يجعل الألوان علامة على الثواب والمقادير علامة على العقاب (قوله لأن الدلالة في ذلك جعلية لا عقلية) علة لصحة الجعل: أي لأن دلالة الفعل الكسبي على الثواب والعقاب فما كان منه طاعة يدل على الثواب وما كان منه معصية يدل على العقاب دلالة بالوضع والجعل، فيصح التحويل بأن يجعل الدال على الثواب البياض والطول مثلا وعلى العقاب السواد والقصر مثلا أو يجعل الفعل المجرد عن القدرة والارادة كحركة الاضطرار أمارة على الثواب والعقاب، وليست تلك الدلالة بالعقل حتى لا يصح فيها ذلك لأن الدليل العقلي لا يتصور وجوده غير دال لما يلزم عليه من انقلاب الدليل شبهة والعلم جهلا وقلب الحقائق محال (قوله إلى آخره) أي ومذهب القدرية (قوله من دليلي اثبات القدرة الخ) بيان لما سبق وهو راجح للمذهبين على سبيل اللف والنشر المرتب فالرد على مذهب الجبرية مسبب عن دليل اثبات القدرة الحادثة وهو قوله سابقا، وإنما قلنا بوجود قدرة تقارنه لما نجده من الفرق الضروري بين حركة الاختيار وحركة الاضطرار والرد على مذهب القدرية مسبب عن دليل ابطال تأثير القدرة الحادثة في مقدورها وهو قوله سابقا، وبهذا الدليل بعينه: أعني دليل التمانع يستدل على أنه جل ّ وعلا هو الموجد لأفعال العباد ولا تأثير لقدرتهم فيها (قوله وقد أعاد الخ) أي بعد أن ذكرهما سابقا على سبيل التفصيل فإعادة دليل إثبات القدرة بالنظر لقوله لما فيه من جحد الضرورة وإعادة دليل ابطال تأثيرها في مقدورها بالنظر لقوله لما علمت من دليل الوحدانية (قوله ما يلزم فيه) أي عليه أي على مذهبهم (قوله كيف) أي كيف يكون أمره سهلا والاستفهام انكاري بمعنى النفي: أي لا يصح أن يكون أمره سهلا