فهرس الكتاب

الصفحة 354 من 517

وقد قال تعالى -لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل -قلنا من معنى ما قبله، وأيضا فيبطل بمسئلة خلق الداعي والقدرة الحادثة وبعلمه القديم المحيط بكل شيء، والحق أن العبد مجبور في قالب مختار، فحسن فيه رعي الأمرين على تقدير تسليم أصل التحسين والتقبيح العقليين.

(ش) احتجت القدرية أيضا بأن العبد لو لم يكن مخترعا لأفعاله لما صح ّ أن يمدح أو يذم على فعل من الأفعال، وبيان الملازمة ما تقرّر في العرف من بطلان مدح الإنسان وذمه بما يفعله غيره فاذا كانت الأفعال إنما صدرت من الله فقط صار مدح العبيد وذمهم إنما هو على فعل الله جل وعلا. والجواب على نهج ما سبق أنه لا ملازمة عقلا بين المدح والذم وبين كون سببهما مخترعا للممدوح أو المذموم والاعتماد في الأحكام العقلية سيما بالنسبة إليه جل وعلا على مجرد عرف اصطلاحي لا ينضبط أمره من أدل ّ دليل على تناهي القوم في الغباوة وكون الأوهام تملكت عقولهم

(قوله وقد قال الخ) تعليل لمحذوف تقديره وذلك باطل (قوله قلنا الخ) أي قلنا يجاب عما ذكر بجواب من معنى ما قبله وهو منع الملازمة، وهذا جواب عن الطرفين. وحاصل الجواب عن الأوّل لا نسلم الملازمة: أي لا نسلم أن الإنسان لا يمدح ولا يذم إلا على فعله المخترع له، كيف والشخص يمدح على البياض واعتدال القامة مثلا مما لا كسب فيه للممدوح أصلا، ويذم على أضدادها، والحال أنه لا كسب فيه للمذموم. وحاصل الجواب عن الثاني لا نسلم الملازمة بين حجية العباد على الله وبين عدم اختراعهم لأفعالهم، وإنما هذه الملازمة مبنية على ما اعتقدتموه من أن الثواب والعقاب معللان بالأعمال، وقد علمت أنهما غير معللين، وإنما الأفعال أمارات والثواب والعقاب بمحض اختياره لا يسئل عما يفعل (قوله فيبطل) أي لزوم كون العباد لهم حجة على الله وكان الأولى عدم تعبيره بأيضا لا يهامه رجوعه للطرفين مع أنه راجع للثاني فقط (قوله خلق الداعي الخ) أي خلق أسباب الفعل وهي القدرة عليه، والداعي له وهو الشهوة له وقوّة تصميم العزم عليه: أي الإرادة له، فالداعي له أمران، والخصوم يوافقونا على أن البارئ تعالى هو الخالق للداعي للفعل وللقدرة عليه (قوله وبعلمه القديم) الباء بمعنى مع والواو زائدة، لأن ابطال اللازم ليس بنفس العلم، بل يخلق الداعي والقدرة الحادثة مع علمه تعالى في الأزل بما يصدر من العبد طاعة أو معصية (قوله والحق الخ) أي لا ما نقل عن الجبرية من أن العبد مجبور ظاهرا وباطنا، وعن المعتزلة من أنه مختا ظاهرا وباطنا (قوله قالب) بفتح اللام على الأكثر وبكسرها: أي صورة (قوله فحسن فيه) أي في العبد: أي حسن شرعا وعقلا (قوله رعى) أي مراعاة (قوله الأمرين) هما الجبر بالنظر للباطن، فقلنا أنه لا تأثير له، والاختيار بالنظر للظاهر، فقلنا بقطع حجته واستحقاقه العقاب (قوله أصل التحسين الخ) أي أصل هو التحسين والتقبيح العقليين لا الشرعيين ولا الطبائعيين (قوله لو لم يكن الخ) أي لكن التالي باطل (قوله والجواب الخ) هذا الأسلوب لا يناسب قوله احتجوا الخ، فالمناسب له أن يقول ويرد عليهم (قوله أنه) أي من أنه: أي الحال والشأن (قوله والاعتماد) مبتدأ خبره قوله بعد من أدل ّ دليل: يعني أن ما اعتمدوا عليه هنا من بطلان مدح الإنسان وذمه بما يفعله غيره مما يدل على تناهيهم في الغباوة لأن بطلان مدح الإنسان وذمه بفعل غيره أمر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت