فهرس الكتاب
على هذا التقرير إطلاق هذين اللفظين بالنسبة إليه تعالى لا يهامهما معنى يستحيل في حقه تعالى وهو ما ذكرنا أنهما يدلان عليه عرفا لا لما ذكروه من دلالتهما على نفي الغرض.
(ص) وإذا عرفت بما ذكر عدم رجحان بعض الأفعال على بعض بالنسبة إليه تعالى عرفت جهالة من تسوّر على الغيب، ورأى أن العقل يتوصل وحده دون شرع إلى ادراك الحسن والقبيح عنده جل وعلا، على أنه لو سلم لهم ذلك جدلا لم يجزم العقل بشيء من ذلك لتعارض أوجه من النظر في ذلك متضادة، فأنا لم نعرف وجوب الايمان ولا تحريم الكفران إلا بعد مجيء الشرع.
(ش) لما حقق أن مذهب أهل السنة أن ّ الأفعال كلها مستندة إلى الله تعالى ابتداء
سماع، وإلى هذا أشار بقوله: وقصارى الأمر الخ (قوله على هذا التقرير) أي الذي جرى عليه المعتزلة المشار بقوله: وإن فسر الخ (قوله هذين اللفظين) أي السفه والعبث (قوله بما ذكر) أي من أن الأفعال كلها مخلوقة لله من غير غرض يبعثه على خلقها (قوله عدم رجحان بعضها) أي الأفعال على بعض بالنسبة إليه لأنه إذا كانت الأفعال كلها مستندة إليه من غير واسطة كانت كلها مستوية بالنسبة إليه، وليس بعضها حسنا وبعضها قبيحا بالنظر لذاته أو صفته، وحينئذ فلا مجال للعقل في إدراك حكم شرعي لها (قوله من تسوّر الخ) التسوّر في الأصل الاتيان من أعلى السور لأجل الاطلاع على ما في داخله، والمراد به هنا التجاسر ومصدوق من: المعتزلة، والمراد بالغيب الأمر المغيب عنا وهو ما عنده تعالى (قوله ورأى الخ) تفسير للتسوّر، والمراد بالرأي الاعتقاد (قوله يتوصل الخ) لكن تارة يدرك ذلك بدون نظر كما في حسن الصدق النافع وقبح الكذب الضار ّ وتارة يدرك ذلك بواسطة نظر كما في حسن الصدق الضار ّ وقبح الكذب النافع، ويجعلون الشرع في ذلك كله مؤكدا للعقل وبقي قسم يتوقف فيه العقل ولا يدركه بنفسه بل بواسطة الشرع لخفائه عليه كحسن صوم آخر يوم من رمضان وقبح صوم أوّل يوم من شوال وكلام المصنف لا يشمل هذا القسم. واعلم أن الحسن والقبح للشيء بمعنى ملائمة الطبع ومنافرته كحسن الحلو وقبح المر ّ، وبمعنى صفة الكمال والنقص: كحسن العلم وقبح الجهل لا نزاع فيه بيننا وبين المعتزلة، بل يحكم العقل بذلك باتفاق منا ومنهم، والنزاع بيننا وبينهم فيهما بمعنى ترتب الثواب والعقاب آجلا والمدح والذم عاجلا: كحسن الطاعة وقبح المعصية، فهو عندنا لا يعلم إلا من الشرع وعندهم يدرك بالعقل لما في الفعل من مصلحة أو مفسدة يتبعها حسنه أو قبحه عند الله (قوله دون شرع الخ) تفسير لقوله وحده (قوله إلى ادراك الحسن والقبيح) أي في الأفعال المكتسبة (قوله على أنه الخ) الضمير للحال والشأن والاشارة راجعة لما رأى على حذف مضاف: أي مبني ما رآه واعتقده من أن التحسين والتقبيح عقليان (قوله لم يجزم الخ) أي وحيث كان العقل قد لا يجزم بحسن الشيء ولا بقبحه لتعارض أوجه النظر في ذلك فقد ظهر فساد مذهبهم من أن كل فعل اختياري يدرك العقل حسنه أو قبحه (قوله في ذلك) أي الحسن والقبح (قوله فانا لم نعرف الخ) تفريع على ما ظهر من فساد مذهبهم: أي فاذا ظهر لك فساد مذهبهم علمت أنا لا نعرف الخ، وجرى على خصوص الايمان والكفر لانهما كالأصلين لما سواهما