فهرس الكتاب
من غير واسطة لا تأثير لغيره في شيء منها لزم أن الأفعال كلها مستوية لا يتصف بعضها بالحسن من حيث ذاته أو صفته ولا يتصف بعضها بالقبح من حيث ذاته أو صفته فلا مجال للعقل اذن في ادراك حكم شرعي لها إذ لا سبب له على ما عرفت فليس الحسن شرعا عند أهل الحق إلا ما قيل فيه افعلوه، وليس القبيح شرعا إلا المقول فيه لا تفعلوه وتخصيص كل واحد منهما بما اختص به من الأفعال لا علة له. وقالت المعتزلة الأفعال الاختيارية حسنة وقبيحة من جهة العقل وزعموا أن منها ما يدركه العقل بالضرورة كحسن الصدق النافع والايمان وقبح الكذب الضار والكفران ومنها ما يدركه العقل بالنظر كحسن الصدق الضار وقبح الكذب النافع، ومنها ما يقف عن ادراكه إلا بأنباء الشرع كحسن صوم آخر يوم من رمضان وقبح صوم أوّل يوم من شوّال وقضوا أن الشارع في هذا النوع مخبر عن حال المحل لا أنه أنشأ فيه حكما قالوا كالحكيم الذي يخبر أن هذا العقار حار أو بارد، ثم اختلفوا فذهب القدماء منهم إلى أن الافعال حسنة وقبيحة لذاتها، وقال قوم منهم هي حسنة وقبيحة لصفة لازمة كالصوم المشتمل على كسر الشهوة المقتضى عدم المفسدة وكالزنا المشتمل على اختلاط الأنساب المقتضى ترك تعاهد الأولاد، وقال قوم منهم بالفرق بين القبيح فهو قبيح لصفته والحسن فهو حسن لذاته وحجتهم أن الذوات كلها مستوية
من التكاليف، فمثلها وجوب الصلاة وحرمة الزنا. هذا والمناسب للسياق اجراء التفريع على الحسن والقبح بأن يقول: فاذا لم يعرف حسن الايمان وقبح الكفر إلا بعد مجيء الشرع لأن ذلك محل النزاع لا على الحكم الذي هو الوجوب والتحريم، لكن سهل ذلك كون الحسن يستدعي الوجوب والقبح يستدعي التحريم (قوله من غير واسطة) تفسير لقوله ابتداء (قوله أو صفته) أي حقيقية أو وجودية أو اعتبارية لأجل أن يطابق المذاهب الآتية (قوله افعلوه) أي على جهة الوجوب أو الندب، وقوله: لا تفعلوه: أي لكونه حراما أو مكروها أو خلاف الأولى وبقي واسطة وهي المباح (قوله منهما) أي افعلوه ولا تفعلوه (قوله لا علة له) خبر عن تخصيص أي إن تخصيص افعلوه بالصلوات الخمس والزكاة مثلا وتخصيص لا تفعلوه بالزنا مثلا لا علة له (قوله الاختيارية) أي التي من شأنها الاختيار (قوله من جهة العقل) بمعنى أن العقل وحده إذا خلى ونفسه يدرك حسنها أو قبحها لما يجده فيها من المصلحة أو المفسدة، فالفعل الذي يجحد فيه مصلحة يدرك حسنه عند الله، وأنه يترتب عليه الثواب آجلا والمدح عاجلا، والذي يجحد فيه مفسدة يدرك قبحه (قوله أن منها) أي الأفعال (قوله ما يدركه) أي ما يدرك وصفه (قوله منها) أي الأفعال (قوله ما يقف) أي العقل (قوله عن حال المحل) أي عن وصف الموصوف، والوصف كالحسن والقبح والموصوف هو الفعل (قوله فيه) أي في هذا النوع الأخير حكما: أي وصفا (قوله العقار) بفتح العين وتشديد القاف ككتان مفرد عقاقير، وهي أصول الأدوية (قوله ثم اختلفوا الخ) يشير إلى أن المعتزلة بعد اتفاقهم على أن الحسن والقبح عقليان لا شرعيان، اختلفوا في سبب ذلك على مذاهب أربعة (قوله لذاتها) أي لا لمعنى آخر، فالحسن والقبح وصفان ذاتيان لا عرضيان (قوله لصفة لازمة) فهي حسنة لما قام بها من حسن لازم وقبيحة لما قام بها من قبح لازم فهما عرضان لازمان وجوديان، وفيه قيام المعنى بالمعنى لأن الفعل عرض (قوله المقتضى) وصف للاختلاط: أي المقتضى عدم تمييزهم عن غيرهم (قوله وحجتهم الخ)