كجر الثقيل بالخفيف، وقد اشتهر في أسرار الموجودات عجائب حتى أن من لم يعرف حكم حجر المغناطيس في جذب الحديد فرآه تعجب من ذلك في أوّل رؤيته، وقضى بأنه مما يخالف العادات فما الذي يؤمنكم أن مدعي النبوّة اطلع على علم من العلوم وظهر له من أسرار الموجودات ما إذا أتى به لمن لا يعرف ذلك عده خارقا. والجواب أنا إنما نستدل بالخارق إذا علمنا أنه من قبيل المعجزات، ونحن نعلم قطعا أن احياء الموتى وقلب العصى حية وابراء الأكمه والأبرص من غير معاناة ليس مما يدخل تحت الحيل ولا مما يتوصل إليه بغوص في هذه العلوم، وقد يقترن بالشيء قرائن تفيد العلم واليقين بأن ما أتى به ليس من القبيل الذي ذكرتموه، وقد طرد الله عادته في حق أنبيائه وأصفيائه بأنه يقطع عنهم الوهم ببعدهم عن أرباب هذه العلوم، فشخص يخرج إلى شعب شعيب بحيث لا يتوهم فيه مخالطة السحرة وآخر يخلفه أميا يمنعه من المخالطة لأرباب العلوم وتعلم الكتب - وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون - وقرائن الصدق المقترنة بما يرفع اللبس، والمخالطون للأنبياء الباحثون عن أحوالهم والساعون في ابطال دعواهم يجدون من أحوالهم ما يحيل نسبتهم إلى ذلك حتى ينتهوا
الفلاني في برج كذا، وبهذا القيد فارق السحر إذ هو بلا معين (قوله كجر الثقيل بالخفيف) هذا من جملة الخارق الذي ينتسب عن الحيل لا أنه نوع من الحيل التي يترتب عليها الخارق كما هو ظاهره، وحينئذ فيقدر في الكلام شيء. والأصل وأنواع الحيل التي يترتب عليها أمور خارقة للعادة كجر الثقيل بالخفيف: أي كسبب جر الخ (قوله في أسرار الخ) أي في مقام بيان أسرار الموجودات والسر كاختصاص المغناطيس بجذب الحديد، واختصاص الزمرّد بخطف أبصار الأفعى (قوله فما الذي الخ) أي فما الذي يجعلكم آمنين من أن يكون هذا الخارق ليس مما ينشأ عن الحيل ولا عن علم الطلاسم ولم لا يجوز أن يكون مما ينشأ عنها وأن مدّعي الرسالة اطلع على علم من العلوم كالسميا أو لطلسمات أو ظهر له سر ّ من أسرار الموجودات فأتى بأمر لمن لا يعرف أن ذلك الأمر لا يعد ّ خارقا وهذا لا يفيد صدقه في دعواه الرسالة (قوله وظهر له) الواو بمعنى أو (قوله والجواب الخ) ملخصه أن تلك الأشياء الناشئة عن تلك العلوم والحيل، وإن كانت من الخوارق لكن لا يستدل ّ بها الرسول لأنه لا يستدل ّ بالخارق إلا إذا علم أنه معجز لا تتأتى معارضته وهذه تتأتى معارضتها، وفيه أن المتن أفاد أن هذه الأشياء من المعتاد لا من الخارق. وأجيب بأن البراهمة لا يقولون أنها معتادة، بل يقولون أنها من الخارق ويعترضون بعدم الدلالة فما ذكره في الجواب من أنها من الخارق على طريق التسليم والتنازل (قوله ونحن الخ) الواو تعليلية: أي لأنا نعلم الخ (قوله بالشيء) كدعوى الرسالة (قوله بأن ما أتى به) أي من الآيات الدالة على صدقه (قوله الوهم) أي وهم الناس (قوله فشخص الخ) أي فمنهم شخص يخرج الخ كموسى عليه السلام (قوله إلى شعب شعيب) الشعب الطريق في الجبل، وشعيب اسم للنبي المعروف (قوله وآخر الخ) كمحمد صلى الله عليه وسلم (قوله وما كنت الخ) ترشيح لما ذكره (قوله وقرائن الصدق الخ) أي وقرائن الصدق المقترنة بالشيء مما يرفع اللبس عنه (قوله والمخالطون) أي من الكفار (قوله عن أحوالهم) أي في أنفسهم (قوله نسبتهم) أي الرسل (قوله إلى ذلك)