وذلك في حق من عم ّ علمه مالا يتناهى محال، واعترض على هذه الحجة بما أشرنا إليه في الأصل وهو أن قيل قد وجدنا العالم منا بشيء قد يخبر عنه بالكذب ولم يلزم من كذبه جهله، فليس العلم بشيء إذن ملزوما للصدق ولا الكذب ملزوما للجهل. وأجيب عنه بمنع أن العالم بالشيء يخبر المحل الذي قام به العلم منه بالكذب، والكذب الذي يوجد للعالم منا إنما هو في خبر لسانه اللفظي أما كلامه النفسي فلا يكون أبدا إلا على وفق عقده، وغاية ما يجد في نفسه تقدير إخبار ووسوسة بالكذب لا الخبر بالكذب، وإلا فالله جل وعلا يستحيل عليه التركيب حتى يقوم العلم والصدق بمحل والكذب بمحل آخر، ويستحيل عليه الوسواس والتقادير الحادثة. الثاني من أدلة استحالة الكذب عليه تعالى أن كل مخبر تجرد النظر إليه فإنه يصح من العالم به أن يخبر على وفق علمه فلو صح الكذب عليه تعالى لوجب أن لا يتصف بجائز، وذلك يمنع أن يتصف بضدّه الذي هو الصدق وفيه منع لما علمت صحته وهو محال. الثالث قد ثبت اتصافه تعالى بالكمال، والصدق صفة كمال
فإنه يوجد الكذب في خبر لسانه (قوله وذلك) أي الجهل بما عليه ذلك الشيء (قوله فليس العلم بشيء إذن ملزوما للصدق) أي كما اقتضاه هذا الدليل، فإن قوله: كل عالم في نفسه حديث يطابق معلومه الخ يقتضي أن العلم يستلزم الصدق (قوله ولا الكذب ملزوما للجهل) هذا معلوم مما قبل بطريق القياس والمقصود بالذات الأول، فالأولى الاقتصار عليه (قوله عنه) أي الاعتراض (قوله بمنع الخ) الأوضح بمنع أن المحل الذي قام به العلم من العالم يخبر بالكذب لأن العلم محله منا القلب ومحل الخبر الكاذب اللسان (قوله اللفظي) نسبة للفظ من نسبة الجزئي لكليه (قوله عقده) أي اعتقاده: أي علمه (قوله وغاية الخ) جواب عما يقال قد يتفق أن الإنسان يعلم أن زيدا حي، ويعتقد ذلك اعتقادا جازما ويجري على قلبه أنه مات فلم يطابق كلامه النفسي علمه. وحاصل ما أجاب به الشارح أن هذا الجاري على القلب وهو تقدير موته تقدير خبر: أي وتقدير الخبر ليس بخبر، وإذا لم يكن خبرا لم يكن كذبا كما لا يكون صدقا فتبين أنه ليس للعالم خبر نفسي ّ يكون كذبا (قوله ووسوسة بالكذب) أي بعدم الرسوخ وهو بالرفع عطفا على تقدير، والباء للملابسة (قوله لا الخبر بالكذب) أي أن لا الذي يجده خبر حقيقة ملابس للكذب (قوله حتى يقوم الخ) أي بل كل منهما قائم بذاته (قوله والتقادير الحادثة) أي لأنها لا تقوم إلا بحادث، والله ليس بحادث ولا محلا للحوادث (قوله الثاني الخ) هو شرح لقول المتن وأيضا لو اتصف الخ (قوله أن كل مخبر) فيه حذف الصلة: أي مخبر به (قوله تجرد) أي توجه (قوله لوجب) أي لكان الكذب واجبا. لكن التالي باطل، لأن وجوب الكذب يمنع صحة الاتصاف. بالصدق وهذا ينافي ما ثبت بالأدلة من صحة اتصافه بالصدق (قوله بجائز) أي بصفة ذات جائزة، وهذا لا ينافي أن صفات الأفعال جائزة (قوله وذلك) أي وجوب الكذب عليه وهذا بيان للاستثنائية المطوية (قوله وفيه) أي ففي اللازم المذكور (قوله منع لما علمت صحته) أي من اتصافه بالصدق وهذا يقتضي بطلان التالي فالمقدم مثله، وإذا بطل المقدم ثبت نقيضه الذي هو استحالة الكذب عليه تعالى وهو المطلوب (قوله وهو) أي المنع لما علمت صحته (قوله الثالث) أي من أدلة استحالة الكذب عليه تعالى وهذا لم يذكره في المتن (قوله والصدق صفة كمال) أي لمن اتصف