فهرس الكتاب
وأشرق من جبل ساغين واستعلن من جبل فاران ومعه جماعة من جبال فاران، فمجيئه تعالى من جبل سيناء عبارة عن مجيء أمره وشرعه لموسى عليه السلام وانزاله التوراة عليه فيه إذ عليه كلم الله موسى عليه السلام، فهو على حد قوله تعالى في القرآن - وجاء ربك والملك صفا صفا - واشراقه من جبل ساغين عبارة عن امزاله الانجيل على عيسى عليه السلام واظهار دينه لأن ساغين من جبال الروم، واستعلانه من جبال فاران عبارة عن انزاله القرآن وبعثه نبينا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم منها إذ لا خلاف أن فاران هي مكة، وقد قال الله تعالى في التوراة «إن الله تعالى أسكن هاجر وابنها اسماعيل فاران» وانظر تعبيره في التوراة عن ظهور شرع نبينا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم بالاستعلان المؤذن بكمال الظهور فهو نظير في القرآن - ليظهره على الدين كله - وقال في التوراة أيضا لهاجر أم اسماعيل حين دعته «قد سمعت خشوعك في اسماعيل وستكون يده فوق يد الجميع» ومعلوم أن اسماعيل عليه السلام وولده لم تكن أيديهم إلا تحت يد اسحاق لأن في ولد اسحاق كانت النبوة، فلما بعث الله نبينا ومولانا محمدا صلى الله عليه وسلم جعل يد بني اسماعيل فوق يد الجميع ورد النبوة فيهم فأغناهم وأعظمهم وبارك عليهم جدّا كما قال في التوراة وفي الزبور التي بأيديهم الآن ذكر صفة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وقال فيه: ويجوز من البحر إلى البحر ومن منقطع الأنهار إلى منقطع الأنهار، وأنه يخر أهل الجزائر بين يديه على ركبهم ويجلس أعداؤه بالتراب وتأتيه ملوكهم بالقرابين وتسجد له وتدين له الأمم بالطاعة والانقياد، لأنه يخلص المضطر البائس ممن هو أقوى منه، وينقذ الضعيف الذي لا ناصر له ويرأف بالضعفاء والمساكين، وأنه يعطي من ذهب بلاد سبأ ويصلى عليه في كل وقت ويدوم أمره إلى آخر الدهر، وفي الزبور أيضا إن الله أظهر من صهيون اكليلا محمودا فالاكليل كناية عن الرياسة، ومحمود هو نبينا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم، وفي الزبور أيضا ليفرح اسرائيل بخالفه
التوراة فيه (قوله وأشرق الخ) أي وأشرق الله من الجبل المسمى بهذا الاسم (قوله وقد قال الخ) هذا استدلال على أن فاران هي مكة لأنه قد علم أن الله إنما أسكنهما مكة، فتكون مكة هي فاران (قوله لهاجر) أي في شأن هاجر، وقوله: حين دعته: أي دعت المولى لاسماعيل، وقوله: خشوعك: أي دعاءك (قوله ويحوز) بالحاء المهملة: أي يملك، وأراد بالبحر البحر المحيط، فأراد بالبحر أو لاشقه اليمين، وثانيا شقه اليسار فهو اشارة إلى أن ملكه وأمره عام، وفي نسخة ويجوز بالجيم أي يمر من البحر إلى البحر، وهذا كناية عن عموم رسالته (قوله ومن منقطع الأنهار الخ) أي ومن الأنهار المتقطعة كنهر الفرات والنيل والدجلة، والمراد بكونها منقطعة أنها غير محيطة فهي منقطعة عن الاحاطة (قوله ويجلس الخ) كناية عن إهانتهم وإذلالهم والباء بمعنى على (قوله بالقرابين) جمع قربان ما يتقرب به إلى الله، ويطلق على من يتقرب من الملك ويجلس معه كالوزير، وهو المراد هنا: أي وتأتيه ملوكهم بجلسائهم الخاصين بهم كالوزراء (قوله وتسجد له) أي تعظمه (قوله وتدين) من التدين أي وتتدين له تدينا مصوّرا بالطاعة والانقياد (قوله من صهيون) أي اسماعيل، وقوله: كناية عن الرياسة: أي صاحبها وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله: محمودا بدل من إكليل أو نعت له (قوله بخالفه) أي بمن يخلفه في الرياسة